من البيت إلى المدرسة.. كيف نهيئ الطفل للانتقال من دون خوف أو صدمة؟

مع اقتراب بدء العام الدراسي في سوريا، والمقرر في 6 أيلول، لا تقتصر تحضيرات الأسر على شراء الحقيبة واللباس والقرطاسية.
بالنسبة للطفل الذي يدخل الروضة للمرة الأولى، أو ينتقل من الروضة إلى المدرسة، تبدأ مرحلة مختلفة من حياته اليومية: مكان جديد، أشخاص جدد، قواعد لم يعتدها، ووقت بعيد عن الأسرة.
ويظهر هذا الانتقال على شكل بكاء أو خوف أو تشبث بالأم والأب، وهي مشاعر لا يمكن فصلها عن طبيعة التجربة الجديدة بالنسبة إلى الطفل. لذلك، لا تبدو مهمة الأهل في إقناعه بألا يخاف بقدر ما تتمثل في مساعدته على معرفة ما ينتظره، وبناء شعوره بالأمان والاستقلال تدريجياً.
الانتقال إلى الروضة.. “الفطام الثاني”
تشبّه المدربة في مجال التربية الواعية للطفولة، وخريجة كلية التربية قسم علم النفس، مي أبو غزالة، انتقال الطفل إلى الروضة بأنه “الفطام الثاني” بعد الفطام عن الرضاعة، ولذلك ترى أن تهيئته يجب أن تبدأ قبل دخوله إليها، لا أن يُفاجأ بها في اليوم الأول.

وتشرح “أبو غزالة” لمنصة الخبر أن “زيارة الروضة مع الطفل قبل بدء الدوام تساعده على التعرف إلى المكان والأشخاص والتفاصيل التي ستصبح جزءاً من يومه، من خلال الحديث معه عن مكان الجلوس واللعب والتعلم، وتعريفه إلى معلمته والحمام، ومن يمكنه طلب المساعدة منه”.
وتقترح أن يكون الخطاب واضحاً وبسيطاً: “هون رح نقعد، هون رح نلعب، هون رح تتعلم”، مع توضيح أن الأم أو الأب سيبقى معه لفترة ثم يعود لاصطحابه، بما يمهد للابتعاد التدريجي بدلاً من أن يتحول غياب الأهل إلى مفاجأة.
وهنا، وفق “أبو غزالة”، تؤدي الأم دور “صلة الوصل بين الطفل والروضة”، فالبكاء في اليوم الأول أمر طبيعي، وقد يرتبط بالخوف من الفقدان أو بالمكان المجهول، بينما يساعد التعرف المسبق على البيئة الجديدة في تخفيف وطأة هذه المشاعر.
وتشدّد “أبو غزالة” على أن “إخراج الطفل من الروضة لمجرد بكائه ليس الإجراء المناسب، كما لا ترى أن دخول الأم معه إلى الصف هو الحل الأفضل، وبدلاً من ذلك، يمكن أن تنتظره في مكان خارج الصف، مع الالتزام بما وعدته به”، كأن تقول له: “بنطرك هون ومنرجع أنا وياك عالبيت”.
المسألة هنا ليست في غياب الأم فقط، بل في بناء الثقة، لذلك تؤكد أبو غزالة أهمية أن تكون وعود الأهل للطفل قابلة للتنفيذ، لأن المصداقية معهم جزء من شعوره بالأمان.
وترى أن الأسرة تحتاج كذلك إلى قواعد واضحة يشعر الطفل ضمنها بالأمان، لأن وجود نظام مفهوم داخل الأسرة يساعده على تقبل الأنظمة والقواعد التي سيواجهها في الروضة والمدرسة.
لا تبدؤوا بالورقة والقلم
قبل الروضة، لا يحتاج الطفل بالضرورة إلى أن يحفظ أكبر عدد ممكن من الأحرف والأرقام، بحسب “أبو غزالة”، التي ترى أن تهيئته تبدأ من مهارات أكثر أساسية.
وتشدّد على أن “من الخطأ اختزال مرحلة الروضة في الورقة والقلم والوظائف، أو جعل تعليم الأحرف والأرقام هدفها الأساسي”، وبدلاً من ذلك، تلفت إلى أهمية اللعب والأنشطة التي تحرك أصابع الطفل وعضلاته الدقيقة والكبيرة، بما يساعد على تهيئته لاحقاً للتعلم والقراءة والكتابة.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما تؤكده الأدبيات الحديثة في الطفولة المبكرة، إذ يضع تقرير اليونيسف العالمي لعام 2024 المهارات الاجتماعية والانفعالية في مستوى أهمية المهارات المعرفية نفسها، ويشير إلى أن التعلم من خلال اللعب يمكن أن يدعم جوانب معرفية واجتماعية وانفعالية وجسدية وإبداعية متعددة لدى الطفل.
قبل أن يتعلم الاستقلال.. يجب أن يمارسه
التهيئة لا تحدث داخل الروضة فقط، جزء كبير منها يبدأ في المنزل، من خلال إعطاء الطفل فرصاً للقيام بأمور تناسب عمره بنفسه.
وتشير “أبو غزالة” إلى أهمية أن يكون الطفل مستعداً لدخول الحمام والحفاظ على نظافته، وأن يتناول وجبته بمفرده ويحافظ على أغراضه، معتبرة أن هذه المهارات تشكل جزءاً من استقلاليته ومسؤوليته وانتقاله التدريجي من الاعتماد الكامل على الأسرة.
وترى أيضاً أن ابتعاد الأم عن الطفل يمكن أن يبدأ قبل الروضة من خلال فترات قصيرة ومقصودة، كزيارة عائلية، ثم زيادة مدة الغياب تدريجياً، بدلاً من أن يكون الانفصال الأول طويلاً ومفاجئاً.
كما تنصح بخلق فرص اجتماعية للطفل قبل الروضة، سواء في الحديقة أو مع الجيران أو أفراد الأسرة أو أطفال آخرين، بما يمنحه خبرة أولية في التعامل مع الأطفال، بصرف النظر عن اختلاف أعمارهم.
أما الحديث عن الروضة، فتفضل “أبو غزالة” أن يكون إيجابياً وواقعياً في الوقت نفسه، من خلال الصور والقصص التي تعرف الطفل إلى المكان وما فيه من ألعاب وأنشطة وأطفال، مع مشاركة الأب والأخوة في هذه المرحلة، بدلاً من تقديم المدرسة باعتبارها مكاناً للعقاب أو الاختبارات فقط.
اختيار الروضة لا يبدأ من قربها من المنزل
عند اختيار الروضة، لا ينبغي أن يكون عامل المسافة هو المعيار الوحيد، وفق “أبو غزالة”، وتضع ضمن المعايير التي ينبغي للأهل الانتباه إليها عند زيارة الروضة: الضوء والتهوية ودخول الشمس، وجود مكان مناسب للعب، طريقة توزيع الصفوف، وطبيعة الأنشطة المستخدمة، وما إذا كان التعلم قائماً على اللعب، إضافة إلى الحمامات والنظافة والمسؤول عن متابعتها.
وتشير إلى أن كثيراً من الأسر تبحث تلقائياً عن الروضة الأقرب إلى المنزل، لكن قد يكون اختيار روضة أبعد مناسباً إذا كانت توفر بيئة أفضل للطفل وفق هذه المعايير.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن البيئة التي يدخل إليها الطفل ليست مجرد مكان يقضي فيه ساعات من يومه؛ بل هي جزء من تجربته الأولى في التعلم والعلاقات خارج الأسرة.
من الروضة إلى المدرسة.. قواعد مختلفة
إذا كان دخول الروضة يمثل الانفصال الأول عن البيئة المنزلية بالنسبة إلى كثير من الأطفال، فإن الانتقال إلى المدرسة يحمل تغيراً إضافياً في طبيعة اليوم وقواعده.

تقول المعلمة تغريد شما، التي تعمل في مجال التعليم منذ 31 عاماً، لمنصة الخبر إن ” الطفل الذي تجاوز مرحلة الروضة يحتاج عند التحضير للمدرسة إلى التركيز على الجانب النفسي والسلوكي، وخصوصاً على فكرة أن المدرسة بيئة تحكمها قوانين وأنظمة”.
وتوضح “شما” أن “المدرسة تختلف عن الروضة، وأن الطفل يصبح أمام مرجع واضح عند تعرضه لأي حادثة، مثل المعلم أو المعلمة أو المناوب، وبالتالي لا يفترض أن يأخذ حقه بيده”.
وترى أن المدرسة تمثل “مرحلة الفطام الأول” من الأسرة اجتماعياً، إذ ينتقل الطفل إلى بيئة جديدة تحتاج إلى التأقلم معها وبناء علاقات داخلها.
وفي هذه المرحلة، يمكن لتفاصيل تبدو بسيطة أن تمنح الطفل شعوراً أكبر بالثقة، وتشير “شما” إلى أن “ترك الطفل يختار أدواته، من الحقيبة إلى الملابس، يساعده على التعامل مع المرحلة الجديدة بمحبة أكبر وثقة بنفسه”.
كما تركز على أهمية بناء علاقات بين الطفل وأصدقائه، خصوصاً في الفترة الأولى التي يكون فيها الطفل جديداً على المدرسة.
صورة المدرسة تبدأ في البيت
وتؤكد “شما” أهمية أن تتحدث الأم باستمرار عن المدرسة والمعلمة بصورة محبة، وأن تعرف الطفل إلى المدرسة باعتبارها مكاناً لا يقتصر على التعلم، وإنما يضم الرياضة والموسيقا والأنشطة المختلفة.
أما من الناحية التعليمية، فتوضح المعلمة أن مناهج الصف الأول، على سبيل المثال، معدة لطفل تجاوز مرحلة الروضة، بينما يحتاج الطفل الذي لم يمر بهذه المرحلة إلى مساعدة من الأهل بالتعاون مع المدرسة، مع بقاء جزء كبير من المتابعة والمسؤولية في المنزل.
وتعود “شما” هنا إلى فكرة التعاون بين الأسرة والمدرسة، خصوصاً عند ظهور مشكلة تتعلق بالطفل، وتعزيز مفهوم القانون لديه، فإذا تعرض لمشكلة، فإن حقه لا يؤخذ بيده، وإنما عبر المدرسة والمرجع المسؤول فيها.
اللعب والتجربة جزء من الاستعداد
ولا تقتصر عملية التحضير على المنزل والروضة والمدرسة، وترى “شما” أن مراكز ألعاب الأطفال يمكن أن تؤدي دوراً إيجابياً في هذه المرحلة، لأنها تتيح للطفل مشاركة اللعب مع أطفال آخرين والتعامل مع المشرفات، بما يمنحه صورة أولية عن طبيعة العلاقة مع المعلمات والمشرفات في الروضة والمدرسة.
ويرتبط تحضير الطفل للروضة أو المدرسة بالاستعداد اليومي، أبرزها خفض ساعات استخدام الهواتف والأجهزة الذكية، وزيادة الأنشطة الحركية واليدوية، والاهتمام بالتغذية السليمة والوجبات الصحية والمتوازنة، إلى جانب إعادة تنظيم الروتين اليومي تدريجياً قبل بدء الدوام.
وتوصي المراجع التربوية الحديثة بدورها بالبدء بتعديل مواعيد النوم والاستيقاظ قبل الانتقال إلى المدرسة، لأن الانتقال المفاجئ إلى روتين جديد قد يزيد صعوبة الأيام الأولى.
حماية الطفل تبدأ قبل دخوله الصف
ومن الجوانب التي تضعها المدربة “أبو غزالة” ضمن التحضير للروضة، تعليم الطفل حماية جسده وحدوده الشخصية منذ وقت مبكر وبطريقة تدريجية ومناسبة لعمره.
وتوضح أن “الطفل يحتاج إلى معرفة أن جسده ملك له، وأن هناك خصوصية مرتبطة بدخول الحمام، وأن عليه أن يعرف كيف يتصرف إذا لمسه شخص بطريقة مختلفة أو غير مريحة، ضمن تعليمات تساعده على حماية نفسه وتجنب التحرش”.
ولا تفصل “أبو غزالة” هذه المهارات عن الاستقلالية التي يحتاجها الطفل في الروضة؛ فالطفل الذي يعرف كيف يطلب المساعدة، ويحافظ على أغراضه، ويتعامل مع احتياجاته اليومية، ويعرف كيف يحمي جسده، يدخل البيئة الجديدة بقدر أكبر من الاعتماد على نفسه.
المطلوب ليس طفلاً لا يبكي
التهيئة الجيدة لا تعني أن الطفل لن يبكي في اليوم الأول، ولا أن الانتقال سيكون خالياً من القلق، الفكرة الأساسية هي ألا يُترك الطفل أمام تجربة مجهولة بالكامل.
فالزيارة المسبقة للروضة، والابتعاد التدريجي عن الأهل، واللعب مع أطفال آخرين، وتعزيز الاستقلالية، والحديث الإيجابي عن المدرسة، واختيار الطفل لبعض مستلزماته، ثم التعاون بين الأسرة والمدرسة؛ كلها خطوات تجعل الانتقال عملية متدرجة بدلاً من أن يكون حدثاً مفاجئاً.
وتلخص“أبو غزالة” رؤيتها لمرحلة الروضة بعبارة “ذاكرة الروضة يجب أن تبقى فرح ولعب وتعلم بالتجربة”.
أخيراً
لا يقاس نجاح بداية العام الدراسي بغياب دموع الطفل، بل بقدرته على التدرج في التأقلم مع المكان الجديد وبناء شعور بالأمان والاستقلال داخله، فكلما كانت الأسرة واضحة وصادقة في تحضيرها، وتركز على اللعب والتجربة والعلاقات والاستقلالية، أصبحت المدرسة انتقالاً يمكن للطفل فهمه والتعامل معه، لا قطيعة مفاجئة مع عالمه الأول.
بشرى سعيد – الخبر



