العناوين الرئيسيةمجتمع

تكلفة الطالب تصل للمليون وسطياً .. مبادرات محلية لتأمين مستلزمات المدارس قبل قرع الجرس

مع انطلاق المدارس كل عام، يجد الأهالي أنفسهم محاصرين بالتزامات مالية ضخمة، مرغمين على خوض رحلة شاقة لتأمين مستلزمات أبنائهم، في ظل واقع اقتصادي ضاغط على الجميع.

 

وتحولت بهجة العودة إلى مقاعد الدراسة سابقاً إلى عبء مالي وضغط نفسي كبير تسبب بانتهاء الرحلة التعليمية للكثير من الأطفال، فمع المفاضلة بين الارتفاع الجنوني في أسعار القرطاسية والحقائب، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، يجد أرباب الأسر أنفسهم أمام خيارين أحلاهما، المعيشة القاسية وحق التعليم.

 

وشكل تأمين مستلزمات العملية التعليمية منذ سنوات معضلة كبيرة لشريحة كبيرة من السوريين، لاسيما ذوي الدخل المحدود في ظل موجات غلاء متلاحقة لم تعرف التراجع، ما دفع العديد من الأشخاص لإطلاق المبادرات المحلية سنوياً بهدف تخفيف عبء الغلاء عن كاهل المواطن.

 

ودفع هذا الواقع المجتمعات المحلية في عدة محافظات للمساهمة في دعم العملية التعليمية من خلال آليات متعددة، وسط تساؤلات حول فاعلية وقدرة هذه المجتمعات المصغرة على تغطية نفقات تلك المستلزمات

 

من متلقّ إلى شريك في الحل

انطلقت العديد من المبادرات لدعم الطلاب في مختلف المحافظات السورية، ومنها مبادرة “يمّي” المتخصصة بدعم الطلاب في الساحل السوري، وذلك تخليداً لذكرى الطلاب يعرب صالح ومرح شريف ويوسف شريف الذين قضوا في أحداث الساحل في شهر آذار عام 2025 قبل أن يتلقوا خبر اجتيازهم امتحان السنة التحضيرية في كلية الطب البشري (يمّي هي الأحرف الأولى من أسماء الطلاب).

 

وبينت الناشطة المجتمعية والمسؤولة الإدارية في جمعية “يمّي” مرح إياد عثمان لمنصة الخبر أنه “عندما تعجز الموارد الرسمية أو لا تكفي لتلبية احتياجات المدارس والروضات، يستطيع عندها المجتمع المحلي أن يتحول من متلقٍ للمشكلة إلى شريك في حلها، فالأهالي، والمعلمون، والجمعيات، وأصحاب الأعمال، والمتطوعون يمكنهم جميعاً المساهمة بطرق عملية”.

 

 

 

وأشارت “عثمان” إلى أنه “من الأمثلة على ذلك تنظيم حملات لجمع الكتب والقرطاسية، دعم صيانة الصفوف وتجهيزها، توفير وجبات أو وسائل نقل للأطفال، إنشاء صناديق مجتمعية لدعم الحالات الأكثر حاجة، أو عقد شراكات مع مؤسسات محلية لتوفير خدمات ومستلزمات بشكل مستمر”.

 

وعن استدامة المبادرات المحلية، لفتت “عثمان” إلى أنها “ليست بالضرورة مجرد حملات مؤقتة، فقد تبدأ استجابةً لحاجة عاجلة، لكنها تصبح حلاً قابلاً للاستمرار عندما تعتمد على تنظيم واضح، ومشاركة واسعة، وشفافية في إدارة الموارد، وتوزيع المسؤوليات، وبناء شراكات طويلة الأمد، أما إذا بقيت مرتبطة بالحماس المؤقت أو بتبرعات غير منتظمة، فقد ينتهي أثرها بانتهاء الحملة”.

 

 

وأضافت “عثمان” أن “المبادرات المحلية يمكن أن تكون جزءاً مستداماً من الحل، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن مسؤولية الدولة، وأن أفضل نموذج هو أن تسد المجتمعات المحلية الفجوات العاجلة، وتدعم المؤسسات التعليمية، وتعمل في الوقت نفسه على المطالبة بتوفير الموارد الرسمية الكافية على المدى الطويل”.

 

 

 

 

 

“المبادرات والحملات الطارئة هي مؤشر تقصير حكومي”

قالت رئيس مجلس أمناء مؤسسة “جناح أزرق” نسرين حسن لمنصة الخبر إن “المجتمع المدني قطاع مستقل، ويكمن دوره بأنه وسيط بين الشعب والحكومات عبر التوعية والمناصرة والدعم للقضايا التي يراها أولوية”.

وتابعت “حسن” أنه “بالنسبة لنجاح المبادرات فهو يعتمد على واقعية المبادرة والتخطيط الصحيح لها ووجود كوادر تؤمن بالعمل التطوعي لتنفيذها”.

 

ولفتت “حسن” إلى أن “التعليم هو مسؤولية الدولة والقطاع الحكومي، ولا يجب أن يرمى على عاتق المجتمع المدني، ولكن في حالة سوريا تدخل المجتمع المدني جاء نتيجة الظروف الاستثنائية خلال سنوات الثورة” .

 

وبينت “حسن” أن “دور المجتمع المدني يجب أن ينحصر في المناصرة للضغط على الحكومة من أجل تطوير التعليم وتحسين ظروفه، وتوعية المجتمع إلى أهمية التعليم ولكن أي خلل في التعليم تتحمل مسؤوليته الحكومة وحدها”.

 

وأشارت “حسن” إلى أن “قيام المجتمع المدني بمبادرات وحملات طارئة لتأمين مستلزمات التعليم للأطفال يعني قصور التخطيط الحكومي أولاً، وهو مؤشر فقر ثانياً ومؤشر تقصير حكومي لأن التخطيط الحكومي الجيد يشترط التنسيق بين القطاعات والوزارات بحيث لا يحتاج الناس من يساعدهم لتأمين مستلزمات أبنائهم في المدارس”.

 

غياب المؤشرات على وجود برامج ضمان اجتماعي

ورأت رئيس مجلس أمناء مؤسسة جناح أزرق أنه “لم يعد مقبولاً بعد التحرير بأكثر من عام ونصف أن نستمر في مبادرات الإغاثة، ولا أرى مؤشرات على برامج ضمان اجتماعي أو أي برامج حكومية تكفل لكل أسرة سورية أن تكون قادرة على تعليم أبنائها بشكل آمن ويحفظ الكرامة حتى نهاية تعليمهم ما قبل الجامعي”.

 

وتابعت “حسن” لمنصة الخبر “بالنسبة لي لن أشارك ولن تشارك المؤسسة في أي حملات خاصة بتقديم مستلزمات المدارس لهذا العام لأنه ليس دورنا، وحين نقوم به فنحن نشجع الحكومة على التقاعس عن دورها، على هذا الاحتياج أن يكون بمثابة ضوء أحمر للحكومة أنها قصّرت في مكان ما”.

 

وأضافت “حسن”: “فلتقم وزارة الشؤون بالتنسيق مع وزارة التربية بالتنسيق والتخطيط لضمان قدرة أي أسرة على تغطية احتياجات أبنائها فالمستوى المعيشي الملائم هو حق منصوص عليه في اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها سوريا”.

 

وأردفت “حسن”: “ما أدعو المجتمع المدني إليه اليوم مع بداية العام الدراسي هو رصد وتوثيق نسبة الأسر السورية العاجزة عن تأمين احتياجات التعليم لأبنائها، واستخدام أدوات المناصرة للضغط على الحكومة من أجل إيجاد حلول مستدامة”.

 

وأشارت “حسن” إلى أن”المبادرات المدنية المستدامة هي التي تعتمد على موارد واستثمارات ذاتية تضمن تأمين موارد مالية دائمة للعمل الاجتماعي على نمط الشركات الاجتماعية، والحوكمة وحدها هي التي تضمن الشفافية”.

أخطاء تقع فيها المبادرات المحلية

أوضحت رئيس مجلس أمناء مؤسسة جناح أزرق أن “المبادرات المحلية تقع عادة في أخطاء عديدة منها عدم الواقعية ونقص التخطيط، وأيضاً أنها بدافع الشغف والاندفاع الإنساني تحاول أن تحل محل الحكومة وتسد فجوات التقصير الحكومي، وهذا لا يجوز في حالات السلم والاستقرار”.

 

 

وأردفت “حسن” أنه “بخصوص إشراك الأهالي فالأسرة والمجتمع المحلي يجب أن يكونوا شركاء المدرسة على كل المستويات، ويجب أن يتجه التعليم في سوريا ليكون أكثر التصاقا بالمجتمع المحلي ومبني على طبيعة البيئة المحلية”.

 

يذكر أن مؤسسة جناح أزرق منظمة سورية وطنية غير حكومية تُعنى بالعمل الإنساني، التنمية المستدامة، وتمكين المجتمع المحلي، وتركز المؤسسة بشكل كبير على تمكين المرأة والأسرة والطفل، وتنشط بفعالية في عدة محافظات سورية أبرزها طرطوس ودمشق والقنيطرة.

 

 

 

1300 من عائلات الأيتام يتلقون الدعم من أبناء حلب

وفي حلب تنشط جمعية أهل الخير، وتعمل منذ عام 2006 في مجال الدعم الإنساني على مستوى رعاية عائلات الأيتام بكل الاحتياجات من مواد غذائية وطبية وتعليمية وغيرها.

 

وبين المدير التنفيذي للجمعية حسن سقار لمنصة الخبر أن “الجمعية استمرت منذ ذلك الوقت في تقديم خدماتها حتى يومنا هذا، وبلغ عدد العائلات المستفيدة حوالي 1300 عائلة”.

 

وأشار “سقار” إلى أنه “يتم تحديد الاحتياجات من خلال فريق كشوفات يعمل على القيام بزيارات ميدانية دورية للإطلاع على الاحتياجات وتقييم الحالة بحسب معايير خاصة بكفالة الأيتام”.

 

وأضاف “سقار” أن “الجمعية تعتمد على أبناء مدينة حلب التجار والصناعيين في تأمين التبرعات لاستمرار تقديم الخدمات لعائلات الأيتام”.

 

ولفت “سقار” إلى أن “جمعية أهل الخير رائدة في مجال الدعم الإنساني، ولم تتوقف منذ تأسيسها عام 2006 حتى اليوم بفضل جهود المتطوعين القائمين على العمل من جهة والداعمين المتبرعين من جهة أخرى، حيث بدأت برعاية عائلة واحدة واليوم ترعى أكثر من 1300 عائلة، وفي حال استمر الدعم يمكن زيادة عدد المستفيدين لأن الحاجة كبيرة جداً”.

 

مراعاة قدرة الأهالي المادية

من جانبها، قالت المعلمة مي يوسف، من مدينة حمص، لمنصة الخبر أنه “يوجد الكثير من اللوازم التي يحتاجها الطالب مع قرب بدء العام الدراسي، وإن أردنا الحديث عن الجانب المادي فالكثير من الطلاب يعانون من التأخير باستلام الكتب المدرسية وأغلبها مهترئ ما يدفعهم لشراء نسخ جديدة، وهو ما يشكل عبئاً مالياً كبيراً على الأهالي في ظل ارتفاع أسعارها”.

 

وتابعت “يوسف” بأن “العديد من المدارس غير مجهزة تماماً للقيام بالعملية التعليمية بشكل مناسب، وعلى سبيل المثال تفتقر بعضها إلى وجود ستائر تحمي الطلاب من أشعة الشمس، ناهيك عن أن بعضها الآخر يحتاج لزجاج النوافذ، ومثل هذه التفاصيل يستطيع المجتمع المحلي المساهمة في حلها”.

 

وأضافت المعلمة أنه “من الممكن أن يجتمع الاهالي ويتبرعون بمبالغ بسيطة تخفف العبء عن المدرسة وعن الطالب أيضاً، كالمساهمة بشراء حقائب ودفاتر وقرطاسية للطلاب المحتاجين أكثر من غيرهم ميسوري الحال”

 

وأضافت معلمة أخرى (فضلت عدم الكشف عن اسمها) لمنصة الخبر أن “أكبر عائق ينتظر الأهالي كل عام هو الغلاء الفاحش بأسعار المستلزمات، مع خجل بعض الطلاب من وجود نقص في تأمينها نتيجة الوضع الاقتصادي لذويهم”.

 

وأكملت المعلمة أنه “يجب على الكوادر في المؤسسات مراعاة الوضع الاقتصادي الراهن، وعدم الضغط على الأهالي وغض النظر قدر الإمكان عن وجود بعض النواقص في تلك المستلزمات، والتنويه لضرورة عدم التمييز والتفرقة بناء على الوضع الاقتصادي وقدرة ذوي الطلاب”.

 

وعن دور المجتمع المحلي، بينت المعلمة أنه “من المفترض بل ويجب عليه دعم الأسر من خلال إقامة جمعيات خاصة بالمدارس بهدف دعم الأسرة الفقيرة مادياً”.

 

مليون ليرة قديمة للطالب الواحد “ومن قريبو”

تجولت منصة الخبر في عدة أسواق بمدينة حمص لرصد أسعار المستلزمات المدرسية، وتبين أنها بلغت مستويات قياسية ربطها التجار -كما هي العادة- بارتفاع سعر صرف الدولار المتراوح حاليا بين 13000-13500 ليرة سورية قديمة.

 

وتصل تكلفة تجهيز طالب اعدادي وسطياً نحو مليون ليرة سورية قديمة، إذ لا يقل سعر مجموعة كاملة من الدفاتر والاقلام عن 200 ألف ليرة، بينما لا يقل سعر الحقيبة عن 150 ألف ليرة، والثياب للمدرسية مع الحذاء نحو 300 الف ليرة، بينما بلغ سعر نسخة الكتب في المستودع المدرسي للصف الثالث الإعدادي 400 ألف ليرة قديمة.

 

ومع الإشارة إلى أن الأسعار المذكورة أعلاه رصدت في الأحياء الشعبية بحمص، وتختلف بحسب المنطقة، بل وبحسب الشوارع الفاصلة بين الأحياء أيضاً، لذلك فإن الارقام لا تعبر عن حقيقة التكاليف بشكل دقيق، وفي كل الحالات تبقى المليون ليرة التي “من قريبو” بعيدة المنال عن موظف براتب 100 دولار أو عامل يتقاضى 50 ألف ليرة أجرة يوم كامل.

 

يذكر أن وزارة التربية والتعليم حددت موعد بدء الدوام الرسمي للعام الدراسي الجديد في 6 أيلول 2026، على أن يبدأ الدوام الإداري في المدارس في 1 أيلول، ما يضع الأهالي في سباق مع الوقت لتأمين ما أمكن قبل قرع الجرس الأول لهذا العام.

عمار ابراهيم – الخبر

 

اقرأ أيضاً:

من البيت إلى المدرسة.. كيف نهيئ الطفل للانتقال من دون خوف أو صدمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى