فيضانات حلب واللاذقية.. أمطار غزيرة أم بنية تحتية عاجزة أم قصور في الاستعداد؟

لم تكد حلب تواجه آثار السيول التي غمرت شوارع وأحياء فيها يوم الخميس 1 تشرين الأول، حتى شهدت اللاذقية في اليوم التالي تجمعات واسعة للمياه أغلقت طرقاً وأعاقت حركة المرور. وبين المدينتين، عاد سؤال يتكرر مع كل عاصفة: هل تجاوزت الهطولات قدرة المدن على تصريف المياه، أم كشفت عن قصور في البنية التحتية والاستعداد؟

توزعت تفسيرات السوريين على وسائل التواصل وفق ما رصد”الخبر” بين اتهام شبكات التصريف بالتهالك، وربط الفيضانات بالتغير المناخي، وانتقاد ضعف التحضيرات البلدية، وتحميل المواطنين مسؤولية انسداد المصارف بسبب النفايات. وظهرت أيضاً مقارنات مع الإمارات وتركيا، أثارت نقاشاً حول الفروق في الإمكانات والخدمات وآليات إدارة الكوارث.
لكن فهم ما حدث يتطلب النظر إلى عوامل متداخلة، والتمييز بين ما تثبته الوقائع وما يحتاج إلى بيانات فنية ومناخية لا تزال غير متاحة.
شدة الأمطار ليست وحدها ما يحدد الفيضان
تختلف الأمطار الغزيرة عن الفيضانات، فالأولى ظاهرة جوية، أما الثانية فتحدث عندما تتجاوز المياه قدرة الأرض أو المجاري المائية أو شبكات التصريف على استيعابها. وقد يؤدي هطول كثيف خلال وقت قصير إلى تجمع المياه، حتى إن لم تكن كمية الأمطار الإجمالية خلال اليوم استثنائية.
وتُصمم شبكات تصريف الأمطار وفق معايير هندسية تأخذ في الحسبان شدة الهطول واحتمالات تكراره، وطبيعة الأحواض التي تتجمع فيها المياه. لذلك، فإن تجاوز الهطول القدرة التصميمية قد يؤدي إلى الغمر حتى في شبكة تعمل وفق مواصفاتها، بينما يمكن أن يؤدي الانسداد أو تراجع الصيانة إلى حدوث المشكلة عند كميات أقل.
وتُظهر بيانات منصة “غياث” التابعة لوزارة الزراعة تسجيل هطول مطري بلغ 10.2 ملم في المنطقة الأولى بحلب يوم 1 تشرين الأول، مع تراكم بلغ 18.8 ملم، أي نحو 4% من المعدل السنوي البالغ 443.5 ملم.

وفي اللاذقية، سجلت محطة المدينة 39.8 ملم يوم 3 تشرين الأول، ليرتفع التراكم إلى 88.2 ملم، ما يعادل نحو 11% من المعدل السنوي البالغ 839.5 ملم.

وتوفر هذه القراءات سياقاً عن الهطولات في بداية الموسم المطري، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد شدة العاصفتين اللتين تسببتا بالسيول، أو تقييم مدى تجاوز الأمطار قدرة شبكات التصريف.
ماذا تقول الوقائع عن البنية التحتية؟
في حلب، أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تنفيذ تدخلات ميدانية للتعامل مع آثار الهطولات المطرية التي شهدتها المدينة يوم الخميس، فيما تحدثت تقارير محلية عن انسداد خطوط تصريف وتضرر أنابيب في بعض المواقع.
وفي اللاذقية، شملت استجابة فرق الدفاع المدني شفط المياه من أحياء ومواقع متضررة، وفتح المصارف وإزالة الأتربة والأوساخ التي أعاقت تصريفها.

وتثبت هذه الوقائع وجود عوائق ومشكلات في مواقع محددة، لكنها لا تكفي للحكم على حالة شبكات المدينتين بأكملها أو إثبات أن ضعف البنية التحتية كان السبب الرئيسي للفيضانات.
ويتطلب تحديد مواطن الخلل فحص أقطار الأنابيب وسعاتها وحالتها، ومقارنة كميات الهطول الفعلية بالقدرة التصميمية للشبكات، وتحديد مواقع الاختناقات ومسارات الجريان. كما أن اختلاف التضاريس والتوسع العمراني بين اللاذقية وحلب يفرض تقييم كل مدينة وفق خصائصها، بدلاً من اعتماد تفسير هندسي موحد.
التغير المناخي.. عامل ضغط لا تفسير جاهز
ربط الفيضانات بالتغير المناخي يستند إلى أساس علمي، لكنه لا يفسر تلقائياً كل عاصفة. فارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد قدرته على الاحتفاظ ببخار الماء، بنحو 7% لكل درجة مئوية في ظروف تقارب التشبع، ما قد يهيئ لهطولات أشد في بعض المناطق.
وتشير التقييمات المناخية الدولية إلى تزايد شدة الهطولات القصوى في أجزاء من العالم مع الاحترار، بما فيها مناطق من حوض المتوسط، لكن اتجاهات الأمطار تختلف جغرافياً وموسمياً. كما أن إثبات إسهام التغير المناخي في عاصفة محددة يتطلب دراسة إسناد علمي تقارن احتمال حدوثها وشدتها في المناخ الحالي بما كان يمكن أن تكون عليه في غياب الاحترار البشري المنشأ.
ولا يعني مرور منطقة بفترة جفاف أن تربتها ستستوعب الأمطار اللاحقة بالضرورة. فبعض أنواع التربة، أو التربة المتصلبة والمنضغطة، قد تزيد الجريان السطحي، لكن تحديد أثر ذلك في حلب يحتاج إلى بيانات عن خصائص التربة ورطوبتها واستخدامات الأراضي.
وبالتالي، فإن التغير المناخي يفرض تحديث خطط إدارة المخاطر، لكنه لا يعفي الجهات الخدمية من مسؤولية الصيانة والاستعداد، ولا يغني عن التحقيق في أسباب الغمر محلياً.
المقارنة مع الإمارات وتركيا.. ما الذي يمكن الاستفادة منه؟
شهدت الإمارات في نيسان 2024 أمطاراً غزيرة تسببت بفيضانات واسعة وتعطل حركة النقل وأضرار في الممتلكات، كما واجهت مناطق تركية فيضانات وسيولاً في مناسبات مختلفة.
وتبين هذه التجارب أن الإمكانات المالية والتقنية لا تمنع وقوع الفيضانات، لكنها لا تجعل المقارنة بين الدول متكافئة تلقائياً.
فالمقارنة المفيدة لا تقتصر على مشاهد المياه في الشوارع، بل تشمل مستوى الخطر وشدة الهطول، وقدرة الشبكات، وأنظمة الإنذار، والاستجابة الطارئة، وتقييم الأضرار والإجراءات التصحيحية اللاحقة.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن الاستفادة من التجارب الدولية لا تعني نقل مشروعات مكلفة أو معايير لا تتناسب مع الموارد المحلية، بل اعتماد مبادئ قابلة للتطبيق، مثل التخطيط وفق خرائط المخاطر، وتحديث المعايير الهندسية، ونشر المعلومات، والتعلم من الحوادث السابقة.
مسؤولية البلديات والمواطنين
تطرح الفيضانات أسئلة مشروعة عن مدى تنفيذ البلديات أعمال الصيانة قبل موسم الأمطار، وجاهزية المعدات وفرق التدخل، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للغمر. فتنظيف المصارف، وفحص المضخات، وتوثيق الأعطال، وتنسيق الاستجابة، إجراءات وقائية ينبغي أن تسبق العاصفة لا أن تبدأ بعد تجمع المياه.
وفي المقابل، يسهم رمي النفايات ومخلفات البناء في الشوارع والمصارف ومجاري المياه في زيادة احتمالات الانسداد، وقد يفاقم تجمع المياه. لكن تحميل المواطنين مسؤولية الفيضانات بمجملها يتجاهل أن انتظام جمع النفايات وصيانة الشبكات والتخطيط العمراني مسؤوليات مؤسسية.
وتشير عمليات التنظيف المعلنة في اللاذقية إلى وجود أتربة وأوساخ أعاقت التصريف في بعض المواقع، لكنها لا تثبت أن سلوك السكان كان العامل الحاسم في الفيضان. فالمسؤولية هنا تتوزع بحسب الأدلة، ولا تُحسم بالاتهامات العامة.
من الاستجابة إلى تقليل المخاطر
تبدأ الحلول بإعداد خرائط تحدد الأحياء المنخفضة والمواقع التي تتكرر فيها تجمعات المياه، بالاستناد إلى بيانات الهطول والتضاريس وشبكات التصريف. وتساعد هذه الخرائط في توجيه الإنفاق نحو المواقع الأعلى خطراً، بدلاً من توزيع الموارد على تدخلات متفرقة.
كما يتطلب الأمر برنامج صيانة دورياً وموثقاً، يتضمن جداول معلنة لتنظيف المصارف، وفحوصاً فنية للشبكات، ونشر تقارير عن الأعطال والإصلاحات. ويمكن دعم ذلك بإنذار مبكر يربط الأرصاد الجوية بالبلديات والدفاع المدني، ويوصل التحذيرات إلى السكان قبل العواصف، مع تحديد الطرق المهددة ومسارات بديلة.
ولا تقتصر الحلول على توسيع الأنابيب وإنشاء قنوات جديدة. فالأحواض التي تحتجز المياه مؤقتاً، والمساحات الخضراء، والأرصفة النفوذة حيث تسمح طبيعة التربة، والحفاظ على المجاري الطبيعية، يمكن أن تبطئ الجريان السطحي وتخفف الضغط على الشبكات. كما يتيح حصاد مياه الأمطار الاستفادة من جزء من المياه المخزنة، بما يربط إدارة الفيضانات بتحديات الأمن المائي، من دون اعتباره بديلاًعن أنظمة التصريف والحماية.
وبعد كل فيضان، ينبغي إجراء تقييم فني يحدد مواقع الخلل، ويقارن الهطولات بقدرات الشبكات، ويوثق الأضرار، ويعلن الإجراءات التصحيحية ومواعيد تنفيذها. فالتعلم من الحوادث وتحويل نتائج التقييم إلى خطط قابلة للمتابعة جزء أساسي من إدارة المخاطر، وليس مجرد إجراء إداري لاحق.
لا يمكن اختزال ما شهدته حلب واللاذقية في التغير المناخي أو البنية التحتية أو سلوك المواطنين وحده. لكن تعدد العوامل لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتضييع المسؤولية. فالمطلوب بيانات مناخية وفنية، وتقييم معلن للاستعداد والصيانة، وخطط واقعية تتناسب مع إمكانات المدن واحتياجات سكانها.
وبعد انحسار المياه، لا يكفي السؤال عن أسباب غمر الشوارع، بل ينبغي أن يتبعه سؤال أكثر أهمية: ما الذي ستغيره الجهات المعنية قبل العاصفة المقبلة لتقليل الخسائر ومنع تكرار الأضرار الممكن تجنبها؟
الخبر



