بعد أكثر من 13 عاماً على اختفائهم القسري.. قضية أطفال رانيا العباسي تعيد فتح جرح المفقودين في سوريا

أعادت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا فتح واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في الذاكرة السورية، بعد إعلانها التوصل إلى نتائج وصفتها بـ”الموثوقة والمتقاطعة” تسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني بوفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي، الذين اختفوا مع والدتهم ووالدهم الدكتور عبد الرحمن ياسين منذ آذار 2013.
إعلان لم ينه الجدل
وقالت الهيئة إن النتائج جاءت بعد إجراءات تحقق وتحليل متعددة شملت مراجعة معطيات ومعلومات ومواد مرتبطة بالقضية، بالتنسيق مع جهات وطنية مختصة، مؤكدة أنها أبلغت أفراداً من العائلة قبل الإعلان العام وفق بروتوكول إنساني يراعي حقهم في المعرفة وسلامتهم النفسية، فيما تستمر الجهود للعثور على الرفات وتحديد أماكن وجودها.
ودعت الهيئة وسائل الإعلام والرأي العام إلى الامتناع عن تداول أي مواد أو معلومات غير موثقة، مؤكدة أنها لن تنشر أي مواد بصرية من شأنها المساس بكرامة الأطفال أو انتهاك خصوصية العائلة.
لكن الإعلان لم يُنهِ الجدل، بل فتح باباً واسعاً من الأسئلة حول طبيعة الأدلة التي استندت إليها الهيئة، وحدود ما يمكن كشفه للرأي العام، ودور المواد المصورة المتداولة في الوصول إلى هذه النتيجة.
انتقادات من العائلة وتداول معلومات متضاربة
حسان العباسي، خال الأطفال الستة، أعلن تلقي العائلة نتائج الهيئة، مُنتقداً طريقة الإعلان وما رافقه من تداول واسع لمعلومات وصور ومقاطع غير موثقة. كما أثارت تصريحات نُسبت إليه بشأن مشاهدته تسجيلاً مصوراً حالة من الجدل والتأويلات على منصات التواصل.
وفي توضيح لاحق، أكد العباسي أن ما شاهده لم يكن مقطعاً يظهر أمجد يوسف أثناء قتل الأطفال، بل تسجيلاً يُسمع فيه صوت قال العباسي إنه يعود إلى أمجد يوسف، بينما كان المتحدث يتنقل بين الأطفال داخل غرفة مظلمة مستخدماً مصباحاً يدوياً ويذكر تاريخ 11 آذار 2013. وأكد أن وجه الشخص لم يظهر في التسجيل، داعياً إلى تحري الدقة وعدم إضافة معلومات لم ترد في روايته.
وأضاف أن تطابق الملابس والملامح الظاهرة في التسجيل مع صور الأطفال المعروفة للعائلة كان من العناصر التي عززت قناعتهم بهوية الضحايا، منتقداً ما وصفه بالمبالغات والإضافات غير الدقيقة التي تداولها بعض صناع المحتوى على المنصات الرقمية، مؤكداً أن قضيتهم مؤلمة كفاية ولا تحتاج إلى زيادة “بهارات”.
اتهامات متداولة وردود توضيحية
بالتوازي مع ذلك، تداول ناشطون ومنصات إعلامية اتهامات لفريق الصحفية أنصار شحود بحجب معلومات أو تأخير كشفها، بعد تصريحات نُشرت على خلفية القضية عبر وسائل إعلام وناشطين.

ونفى الناشط دمر سليمان، المرتبط بملف توثيق جرائم أمجد يوسف، تلك الاتهامات، موضحاً أن المواد المتعلقة بالجرائم سُلّمت منذ سنوات إلى جهات تحقيق دولية، بينها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، والقضاء الألماني، وهيئات مختصة بجرائم الحرب في فرنسا، كما سُلّمت لاحقاً إلى الهيئة الوطنية للمفقودين.
وأوضح سليمان أن حسان العباسي تواصل معه بعد توقيف أمجد يوسف، وأنه لم يكن يمتلك قبل ذلك أي معلومة تربط بشكل مباشر بين التسجيلات المصورة وأطفال الدكتورة رانيا العباسي، مشيراً إلى أنه نصح العائلة بالتواصل مع الهيئة باعتبارها الجهة المخولة قانونياً بإدارة الملف.
كما أكد أن الصور المتداولة حالياً على أنها لقطات من فيديو إعدام الأطفال لا تتطابق، بحسب المعلومات المتوافرة لديه، مع أي من المواد التي جرى توثيقها وتسليمها للهيئة أو للجهات القضائية المختصة.
قضية تحولت إلى رمز للاختفاء القسري
تُعد قضية الدكتورة رانيا العباسي من أكثر ملفات الاختفاء القسري حضوراً في الوعي السوري. فالطبيبة المتخصصة في طب الأسنان وبطلة سوريا السابقة في الشطرنج اعتُقلت من منزلها في حي دمر بدمشق مع أطفالها الستة عام 2013، بعد يومين من اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين، قبل أن ينقطع أثر العائلة بالكامل.
وخلال السنوات الماضية تحولت القضية إلى رمز لمعاناة آلاف العائلات السورية التي بقيت تبحث عن مصير أبنائها بين السجون ومراكز الاحتجاز والمقابر الجماعية، في ظل غياب المعلومات الرسمية.
الأطفال المفقودون.. ملف يتجاوز قضية واحدة
ولا تنفصل قضية أطفال العباسي عن ملف أوسع يتعلق بالأطفال الذين اختفوا قسراً بعد اعتقال ذويهم أو خلال عمليات الاحتجاز الجماعي.
وفي أيار الجاري، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات إعادة نحو 200 طفل وطفلة إلى ذويهم بعد سنوات من إيداعهم في دور رعاية ومؤسسات اجتماعية خلال عهد النظام السابق، بينهم 110 أطفال من جمعية قرى الأطفال SOS، و90 طفلاً من مؤسسات رعاية أخرى.
وأعاد ذلك الإعلان تسليط الضوء على آلاف الحالات التي ما تزال مجهولة المصير، سواء لأطفال فُصلوا عن عائلاتهم أثناء الاعتقال أو أُودعوا مؤسسات رعاية من دون معرفة ذويهم بمكان وجودهم، ما يجعل ملف الأطفال المفقودين أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في مرحلة ما بعد النزاع.
بين الحقيقة والعدالة
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت يُنظر فيه إلى ملف المفقودين بوصفه أحد المفاتيح الأساسية للعدالة الانتقالية في سوريا، إذ تؤكد تجارب دول شهدت نزاعات وانتهاكات واسعة أن كشف الحقيقة حول مصير الضحايا لا يقتصر على البعد الإنساني، بل يشكل مدخلاً للمساءلة القانونية وجبر الضرر وبناء الثقة المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب إعلان الهيئة الوطنية للمفقودين أهمية تتجاوز قضية عائلة واحدة، لأنه يختبر قدرة المؤسسات الناشئة على التعامل مع أكثر الملفات حساسية، وسط مطالبات متزايدة بالشفافية المهنية، وحماية الأدلة، ومراعاة حقوق العائلات في المعرفة، بعيداً عن الاستغلال الإعلامي أو التداول غير المسؤول للمعلومات.
وقال المكتب الإعلامي للهيئة الوطنية للمفقودين حول قضية اختفاء عائلة عبد الرحمن الياسين والدكتورة رانية العباسي وأطفالهما، بعد ظهر الأحد، أن الهيئة: تسلّمت 29 مقطع فيديو على “وحدة تخزين USB” بتاريخ 12 أيار/ مايو 2026 عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت دمشق في مدينة بروكسل عبر جهة حقوقية سورية وذلك بعد أن كانت الجهة الحقوقية السورية الوسيطة قد استلمت هذه المواد من الشقيقين اللذين حصلا عليها بشكل مباشر من محتويات الحاسوب العائد لأمجد يوسف بتاريخ 9 أيار/ مايو 2026 في باريس وتؤكد الهيئة أنه لا توجد علاقة لأي شخص أو فريق آخر بهذه العملية خلاف ما ورد أعلاه .
ودعت الهيئة إلى “التعامل مع هذه القضية بحساسية واحترام ومسؤولية أخلاقية ووطنية وتجنب تداول أي معلومات غير موثقة أو نشر مضامين تمسّ بكرامة الضحايا أو بمشاعر عائلاتهم وتُعرب في الوقت ذاته عن قلقها من بعض مظاهر خطاب الكراهية والتخوين والتحريض التي رافقت تداول القضية على وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأكدت الهيئة أن “حق العائلات في معرفة الحقيقة يجب أن يبقى بعيداً عن أي تجاذبات أو حملات إساءة أو تشهير وأن احترام كرامة الضحايا وذويهم والحفاظ على السلم المجتمعي والقيم الإنسانية المشتركة مسؤولية تقع على عاتق الجميع”.
وبينما تبدو نتائج الهيئة بالنسبة إلى عائلة العباسي نهاية مؤلمة لسنوات طويلة من الانتظار، فإنها في الوقت نفسه تفتح فصلاً جديداً من البحث عن الحقيقة، فمعرفة مصير الضحايا تمثل خطوة أساسية على طريق العدالة، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بمحاسبة المسؤولين وكشف مصير آلاف المفقودين الآخرين الذين ما تزال عائلاتهم تنتظر الحقيقة.
تلفزيون الخبر
اقرأ أيضاً:



