“رفاه” في الحجر الأسود.. رحلة بحث عن منزل تنتهي في مدينة خارج التغطية

لم تكن رفاه (اسم مستعار) وهي لاجئة سورية في الثلاثينيات من عمرها تقيم في أوروبا، تتوقع أن تنتهي رحلة بحثها عن منزل في الحجر الأسود، مسقط رأس زوجها، بسؤال مختلف تماماً عن السعر والمساحة ومتانة البناء والخدمات والمدارس: كيف يمكن العيش في مكان يكاد ينقطع فيه الاتصال بالعالم؟
وصلت “رفاه” إلى الحي الذي تقصده وهي تحمل أملاً بالاستقرار بعد سنوات اللجوء، مستفيدة مما ادخرته الأسرة لشراء منزل متواضع. لكن ما إن دخلت الحجر الأسود، التي تزورها للمرة الأولى، حتى اختفت إشارة الهاتف، وتعذّر إجراء المكالمات أو استخدام الإنترنت، لتجد نفسها في عزلة رقمية شبه كاملة.
ومع اقتراب المساء، وانتهاء جولتها التي يرافقها فيها ابن أخ زوجها، احتاجا إلى الاتصال بالسائق ليعود ويقلهما خارج المدينة، لكنهما لم يتمكنا من الوصول إليه. لم يجد الزائران سوى طرق باب منزل مجاور لبيت أهل زوج رفاه، حيث استقبلتهما “أم محمد”، وهي سيدة ستينية من سكان الحي، وقدمت لهما فنجان قهوة، بينما بدأت تروي تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة.
تقول “أم محمد” إن مشكلة الاتصالات ليست جديدة، بل أصبحت جزءاً من حياة السكان، مضيفة أن الأهالي يعتمدون على الإنترنت اللاسلكي (الهوائي) رغم تكلفته المرتفعة مقارنة بقدرات معظم الأسر، لأنه الخيار شبه الوحيد المتاح للتواصل مع الخارج.

ولا تقتصر معاناة الحجر الأسود على الاتصالات، إذ لا تزال المدينة تمر بمرحلة إعادة تأهيل تدريجية للبنية التحتية بعد سنوات من الدمار.
ورغم إطلاق مشاريع خدمية خلال عام 2026، بينها إعادة تشغيل أول مشروع لمياه الشرب منذ سنوات عبر تأهيل بئرين وخزان مياه ومحطة طاقة شمسية، تؤكد التقارير الصحفية المحلية أن استكمال شبكات المياه وإيصالها إلى جميع المنازل ما يزال يحتاج إلى مراحل لاحقة، في وقت تتواصل فيه أعمال إزالة الأنقاض وفتح الطرق وإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية مع تزايد أعداد العائدين.
وتشير بيانات مجلس المدينة إلى أن عدد المقيمين حالياً يناهز 30 ألف نسمة، وهو رقم يعكس عودة تدريجية للسكان مقابل استمرار الفجوة في الخدمات الأساسية.
وبالعودة لزيارة “رفاه”، يوضح “أبو محمد” أن الحجر الأسود بلا مقسم للاتصالات الارضية، وأن مقسم الحجر كان من المقاسم الحديثة، وجُهز بمنحة يابانية عبر الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، لخدمة المنطقة، قبل أن يتعرض خلال سنوات الماضية لعمليات نهب وتخريب واسعة شملت التجهيزات الفنية والأثاث وحتى الحجر الخارجي للمبنى والأبراج الحديدية المجاورة، بحسب روايته.
ويؤكد أن المدينة ما تزال حتى اليوم بلا مقسم أرضي عامل، كما أن تغطية شبكات الهاتف المحمول ضعيفة أو معدومة في أجزاء واسعة منها، في ظل غياب جدول زمني معلن لإعادة تأهيل البنية التحتية للاتصالات. وأضاف ابو محمد، أن السكان بصدد توقيع عريضة ورفعها للبلدية ووزارة الاتصالات وشركات المحمول، لإيجاد حلول جذرية لأزمة الاتصالات.
ولا تتوقف المشكلات عند هذا الحد. تشير “أم محمد” إلى أن السكان يعانون مما وصفته بـ”الراكارات” المفتوحة، والتي تشكل هاجس خوف وخطر خاصة على الأطفال ومع ساعات المساء في وقت تطول فيه ساعات انقطاع الكهرباء، وتتحول الشوارع ليلاً إلى مساحات يغلب عليها الظلام.
وخلال الحديث، تتسع قائمة التحديات التي تواجه الأهالي. فالنفايات، بحسب الجارة، تتراكم لأيام في بعض الأحياء، ما يدفع الأهالي إلى إحراقها للتخلص منها، وهو ما يضيف روائح خانقة ودخاناً إلى المشهد اليومي. كما تنتشر الكلاب الشاردة في عدد من الشوارع، وسط شكاوى من تأثيرها على حركة السكان، ولا سيما الأطفال.
ويقول “أبو محمد” أن الحي تغيّرت معالمه كثيراً، وعشرات من نقاط علّامه دفنت تحت الركام، لكن أبناءه يملكون إرادة كبيرة للمضي قدماً، وتؤكد “أم محمد” أن الأهالي يأملون بإعادة الخدمات الأساسية تدريجياً، معتبرة أن تحسين شبكات الاتصالات يأتي في مقدمة الأولويات، لأنه أصبح مرتبطاً بالعمل والتعليم والحصول على الخدمات والتواصل مع الأقارب داخل سوريا وخارجها. إلى جانب أولوية إزالة الردم وتأهيل البنية التحتية من صرف صحي ومياه وكهرباء.
ويرى مختصون في “التعافي الحضري” أن خدمات الاتصالات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت من متطلبات العودة والاستقرار، لارتباطها بالعمل والتعليم والخدمات المصرفية والوصول إلى الخدمات الحكومية والإسعافية.
وفي الحجر الأسود، تتقاطع أزمة الاتصالات مع تحديات أخرى تشمل استكمال إزالة الأنقاض، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، ما يجعل قرار العودة بالنسبة لكثير من الأسر مرتبطاً بمدى استعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وليس فقط بتوفر منزل صالح للسكن.

وتشير تقارير حديثة إلى أن مشاريع إزالة الردميات وإعادة تأهيل البنية التحتية ما تزال مستمرة على مراحل، وسط إمكانات محدودة مقارنة بحجم الدمار الذي تعرضت له المدينة.
عندما تمكنت “رفاه” وقريبها أخيراً من التواصل مع سائقهما بعد ساعات من المحاولات، كانت قد أنهت جولة مختلفة عما خططت له. فبدلاً من الاكتفاء بمعاينة منزل، وجدت نفسها أمام صورة أوسع لمدينة تحاول استعادة حياتها، بينما ما تزال أبسط الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الاتصالات، تشكل تحدياً يومياً لسكانها.
منصة الخبر – دمشق



