فيضانات نهر الفرات في سوريا .. بين الأسباب المتراكمة والنتائج الجسيمة

بعد سنوات طويلة من الجفاف وتراجع منسوب مياه نهر الفرات، وحبس الحصة الدولية المخصصة لسوريا والعراق من قبل تركيا، خصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة، تبدل المشهد في الشرق السوري بارتفاع غير مسبوق للمياه وفتح بوابات مفيض سد الفرات وسدي تشرين والمنصورة بريفي حلب والرقة بعد أكثر من 33 عاماً من الإغلاق المستمر.

أصل الحكاية
لا يُنظر إلى فتح مفيضات السدود عادة بوصفه مؤشراً على وجود خلل أو خطر مباشر، بل باعتباره إجراءً هندسياً وقائياً يُستخدم لحماية جسم السد عندما تقترب البحيرة من مستويات التخزين القصوى. فالمياه تمر في الظروف الطبيعية عبر العنفات المخصصة لتوليد الكهرباء، بينما تُفتح المفيضات عند وجود واردات مائية تفوق قدرة التخزين والتصريف الاعتيادية.
ويشير مختصون في إدارة الموارد المائية إلى أن استثنائية الحدث الحالي لا ترتبط بفتح المفيضات بحد ذاته، بل بحدوثه بعد عقود من انخفاض المناسيب واعتياد السكان على مشهد مائي مختلف تماماً على امتداد مجرى الفرات.
ورغم تأكيد وزارة الطاقة السورية تجاوز مرحلة الخطورة، خلفت الفيضانات أضراراً كبيرة في محافظتي الرقة ودير الزور، طالت آلاف الهكتارات الزراعية المزروعة بالقمح ومنازل وما يقارب 100 محطة مياه، إضافة إلى محطات الري وتدمير معظم الجسور الترابية والمؤقتة، كان آخرها جسر بلدة العشارة، مع بقاء جسر واحد فقط في منطقة البوكمال هو جسر الباغوز.
وقام الرئيس أحمد الشرع برفقة مجموعة من الوزراء المختصين بزيارة طارئة لمحافظة دير الزور للاطلاع على الواقع بشكل مباشر.
وتكمن الخسائر الجسيمة في أن الفيضان قطع التواصل بين مدينة دير الزور وريفها نتيجة تدمير الجسور والمعابر النهرية، وذلك بعد خسارة المحافظة الجسر المعلق التاريخي وجسر السياسية اللذين دمرتهما طائرات التحالف الدولي، فضلاً عن توقف محطات تأمين مياه الشرب لمئات الآلاف من المدنيين.
الجفاف والحبس
بعد سنوات من الجفاف القسري والتراجع الحاد في مناسيب المياه عاد نهر الفرات، شريان الحياة في الشرق السوري، إلى واجهة المشهد. فمع اقتراب بحيرة سد الفرات من الامتلاء الكامل بدأت بوابات المفيض تُفتح تباعاً في حدث غير مسبوق منذ عام 1988.
ويأتي هذا التحول بعد عقود من الضغوط المناخية والبنيوية التي أثرت في النهر. فقد ارتفعت درجات الحرارة في شمال شرقي سوريا وتراجع معدل الأمطار، مما ساهم في انخفاض تدفق منظومة الفرات إلى ما يقارب نصف المتوسط السنوي خلال سنوات الجفاف.
كما زادت سنوات النزاع من هشاشة المشهد المائي بعدما تراجعت إمدادات مياه الشرب نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية المائية والكهربائية، إضافة إلى انقسام السدود الكبرى بين مناطق سيطرة مختلفة.
ورغم أن اتفاقية عام 1987 بين دمشق وأنقرة حددت الحد الأدنى لتدفق المياه عند الحدود السورية التركية بـ500 متر مكعب في الثانية، فإن التدفقات تراجعت خلال السنوات الماضية إلى نحو 200 متر مكعب في الثانية فقط.
ونتيجة سنوات الجفاف الطويلة وحبس حصة سوريا إلى ما دون 500 متر مكعب في الثانية، تركزت الأضرار الناجمة عن ارتفاع منسوب الفرات وفتح مفيض السد في المناطق التي شهدت تعديات وعشوائيات داخل حرم النهر، إضافة إلى أراضٍ زراعية تقع ضمن نطاق الغمر الطبيعي.
فخلال سنوات الجفاف اقترب السكان تدريجياً من مجرى النهر، وأُقيمت منازل ومشاريع اقتصادية وسياحية ومخيمات عشوائية على أراضٍ كانت تاريخياً جزءاً من مجراه أو من مناطقه المعرضة للفيضان، في ظل التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين سيطرة النظام السابق وفصائل المعارضة وتنظيم “داعش” و”قسد”.
ويرى باحثون في شؤون ما بعد النزاع أن ما جرى على ضفاف الفرات خلال العقدين الأخيرين يمثل نموذجاً واضحاً لما يُعرف بـ”التكيّف القسري مع الجفاف”، إذ دفعت سنوات انخفاض المناسيب السكان والمزارعين والجهات الخدمية إلى التعامل مع الأراضي المكشوفة باعتبارها مساحات مستقرة وآمنة.
ومع مرور الوقت توسعت الأنشطة الزراعية والعمرانية والخدمية داخل مناطق كانت تاريخياً جزءاً من الحرم الفيضي للنهر، ما جعل عودة المياه إلى مستويات أعلى كفيلة بإظهار هشاشة هذا النمط من التوسع.
وفي هذا السياق أعاد الفيضان إلى الواجهة ملف التعديات والمخالفات المقامة ضمن حرم النهر وسريره الطبيعي. فالمياه لم تخرج في كثير من المواقع عن مسارها التاريخي بقدر ما استعادت أجزاء من مجرى الفرات التي انحسر عنها خلال سنوات الجفاف الطويلة. وخلال تلك الفترة انتشرت مبانٍ ومزارع ومنشآت خدمية وسياحية في مناطق كانت معرضة للغمر بشكل دوري قبل عقود، الأمر الذي ضاعف حجم الأضرار الحالية وطرح تساؤلات جديدة حول إدارة حرم النهر وضبط التوسع العمراني في المناطق الحساسة بيئياً.
سد الفرات (الطبقة)
يقع سد الفرات -ويُسمى أيضاً سد الطبقة- على نهر الفرات في مدينة الطبقة الواقعة على بُعد 50 كيلومتراً غرب مدينة الرقة. ويبلغ طول السد 4.5 كيلومترات، وعرضه من الأعلى 20 متراً وعند القاعدة 60 متراً. وبُني جسم السد من الأسمنت والحديد الصلب، وصُمم لمقاومة هزات أرضية تصل قوتها إلى 7 درجات على مقياس ريختر، كما يحتجز خلفه بحيرة تخزينية تزيد سعتها على 10 مليارات متر مكعب من المياه.
وبالتزامن مع فتح خمسة بوابات من مفيض السد وارتفاع منسوب الفرات، بعد وصول تدفق المياه في مجرى النهر إلى 2000 متر مكعب في الثانية، اتخذت الجهات المعنية وسلطات الطوارئ سلسلة إجراءات عاجلة على طول مجرى النهر لحماية السكان والمحاصيل والمنشآت.
كما أصدرت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تعليمات مشددة للقاطنين على ضفاف الفرات أو داخل حرمه في الرقة ودير الزور، شملت الاستعداد لموجة فيضان قد ترفع منسوب النهر لأكثر من مترين والإخلاء الفوري للمنازل والمحال القريبة من المجرى، خصوصاً في المناطق المنخفضة.
أسباب الفيضانات
حدثت فيضانات الفرات نتيجة اجتماع عدة عوامل في وقت واحد، إذ شهدت مناطق منبع الفرات في شرق تركيا موسماً قوياً من الأمطار والثلوج، تراكمت خلاله كميات كبيرة من الثلوج ثم ذابت بسرعة بفعل الأمطار الربيعية الغزيرة، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من المياه نحو مجرى النهر.
وامتلأت السدود التركية على نهر الفرات بمستويات مرتفعة، الأمر الذي استدعى فتح بوابات المفيض لتخفيف الضغط عنها، فاتجهت هذه المياه بشكل طبيعي نحو الأراضي السورية عبر مجرى الفرات.
ويكشف الحدث تفاوتاً جوهرياً في القدرات التخزينية بين البلدين، فسد أتاتورك التركي وحده يخزن أكثر من 48 مليار متر مكعب، أي نحو أربعة أضعاف سعة سد الفرات الذي لا يتجاوز 11.7 مليار متر مكعب.
وعندما ترتفع الإطلاقات إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية، لا تملك سوريا خزانات كافية لاستيعاب الكميات، ما يحول سدودها إلى خط دفاع أخير مهدد بالفيضان، ويكشف ثغرة في اتفاقية عام 1987 التي حددت حداً أدنى للتدفق دون وضع سقف أعلى للإطلاقات المفاجئة.
كما شهدت سوريا أمطاراً غزيرة، وكانت بحيرات السدود قريبة من الامتلاء. ومع وصول المياه من تركيا اضطرت الجهات المسؤولة إلى فتح بوابات مفيض سد الفرات لحمايته من الضغط الزائد.
وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير إن المؤسسة العامة لسد الفرات تدير الحوض والبحيرات خلف سدود الفرات وتشرين وكديران، مشيراً إلى أن كميات المياه المحتجزة كانت قليلة جداً بعد تحرير المنطقة، لدرجة أن محطة البابيري كانت على وشك الخروج من الخدمة في الصيف الماضي بسبب انخفاض منسوب النهر.
وأوضح الوزير أنه كان من المخطط فتح البوابات مسبقاً بالتنسيق مع الجانب التركي، إلا أن الإنذار جاء متأخراً، إذ أبلغت تركيا في 22 أيار الجاري بمضاعفة كميات المياه المطلقة بعد تحذيرات الأرصاد الجوية من موجة أمطار كبيرة، ما دفع إلى فتح المفيضات فوراً مع تنبيه الأهالي.
وارتفع تأثير الفيضانات بسبب التغيرات التي فرضتها سنوات الجفاف على ضفاف النهر، إذ توسعت الأنشطة السكنية والخدمية والزراعية في مناطق كانت تاريخياً جزءاً من سرير النهر أو من المناطق المعرضة للغمر.
كما أُقيمت بعض المنشآت العامة، ومنها محطات ضخ المياه التي نفذت خلال السنوات الماضية، في مواقع قريبة جداً من المجرى أو داخله نتيجة انخفاض المناسيب، ما أدى إلى خروج عدد منها عن الخدمة بعد ارتفاع المياه.
وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن غرفة العمليات تتابع الوضع ميدانياً في محافظتي الرقة ودير الزور، مشيراً إلى عدم تسجيل خسائر بشرية مباشرة بسبب الفيضان، مع تسجيل بعض حالات الغرق بين الأطفال أثناء السباحة نتيجة التيارات الجديدة التي أحدثها ارتفاع المنسوب.

وشهدت مناطق عديدة على امتداد ضفاف الفرات في دير الزور والرقة ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب المياه، ما أسفر عن غمر نحو 5 آلاف دونم وتضرر حوالي 2400 عائلة دون خسائر في الأرواح، وفق ما أعلنته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
وشملت الأضرار القطاع الخدمي أيضاً، إذ أوضح محافظ دير الزور زياد العايش أن نحو 60 محطة مياه خرجت عن الخدمة بسبب ارتفاع المنسوب، فيما سارعت فرق العمل إلى نقل المحركات ومجموعات الضخ إلى أماكن آمنة وتأمين بدائل مائية للقرى المتضررة بالتعاون مع الشركاء الدوليين.
وتكشف الأضرار المسجلة أن الخسائر لم تنتج فقط عن ارتفاع المياه، بل أيضاً عن تراكم آثار سنوات الحرب وضعف الاستثمار في البنية التحتية. فمعظم المعابر التي تعطلت كانت جسوراً ترابية أو مؤقتة أُنشئت كحلول إسعافية بعد تدمير الجسور الرئيسية خلال سنوات الحرب، فيما أصبحت بعض محطات الضخ ومشاريع المياه قريبة من مجرى النهر نتيجة تغير المناسيب خلال سنوات الجفاف.
ويرى مختصون في التخطيط وإدارة الكوارث أن الحدث الحالي يتجاوز كونه فيضاناً موسمياً، ليشكل اختباراً عملياً لقدرة المؤسسات على إدارة المخاطر المرتبطة بالمياه العابرة للحدود. فالتعامل مع نهر بحجم الفرات لا يقتصر على مراقبة المناسيب والاستجابة الطارئة، بل يتطلب أنظمة إنذار مبكر أكثر فاعلية وتخطيطاً استباقياً لمواقع المنشآت الحيوية وإعادة تقييم استخدامات الأراضي الواقعة ضمن الحرم الفيضي للنهر.
كما أعادت الفيضانات إحياء ذاكرة محلية ما تزال حاضرة لدى سكان المنطقة، ولا سيما كبار السن الذين يتذكرون فيضانات ثمانينيات القرن الماضي، حين كان ارتفاع منسوب الفرات حدثاً دورياً يرتبط بمواسم الأمطار وذوبان الثلوج في تركيا.
أما جيل الجفاف الطويل فلم يعش مثل هذه المشاهد من قبل، وهو ما يفسر جانباً من حالة القلق الواسعة التي رافقت ارتفاع المياه وانتشار صور الفيضانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم انتشار صور ومقاطع فيديو نُسب بعضها إلى فيضانات سوريا بينما كانت ملتقطة في سياقات مختلفة، فإن حجم الأضرار المسجلة ميدانياً -وإن كان أقل مما روجته بعض الحملات- يظل كبيراً بما يكفي لإظهار هشاشة البنية التحتية وفشل التخطيط السابق.
ورغم انحسار المخاوف المرتبطة بسلامة السدود، فإن الأزمة الحالية تطرح نقاشاً أوسع حول مستقبل إدارة الموارد المائية في سوريا، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تجعل المنطقة أكثر عرضة للتقلبات الحادة بين فترات الجفاف الطويلة وموجات الهطول الغزير والسيول المفاجئة.
ويرى خبراء بيئيون أن التحدي لم يعد يقتصر على مواجهة نقص المياه كما كان الحال خلال السنوات الماضية، بل بات يشمل أيضاً الاستعداد للتعامل مع فائض مائي مفاجئ قد يسبب خسائر كبيرة عندما يلتقي مع بنية تحتية هشة وتوسع عمراني غير منظم.
وأكد وزير الطاقة محمد البشير أن مرحلة الخطورة جراء ارتفاع منسوب نهر الفرات قد تم تجاوزها، وأنه لا داعي للذعر أو الخوف، مشيراً إلى أن الوضع مقبل على مزيد من تخفيض إطلاقات المياه من النهر والسد.
وقال البشير في منشور على منصة إكس: “نطمئن أهلنا في دير الزور والرقة بأنه تم تخفيض إطلاقات المياه من سد الفرات، حيث جرى خفض تدفق أحد المفيضات بمقدار 100 متر مكعب في الثانية”.
وأضاف أنه تم إغلاق المفيض الثالث بشكل كامل، علماً أن أربعة مفيضات كانت لا تزال تعمل، ما سيؤدي إلى تخفيض إضافي بمقدار 200 متر مكعب في الثانية وانخفاض تدريجي في منسوب مياه الفرات.
وأشار إلى أن ظهور أثر هذا التخفيض قد يستغرق بعض الوقت، ومن المتوقع أن يلمس أهالي دير الزور والرقة نتائجه خلال نحو 48 ساعة.
نهر الفرات
الفُرات أحد أكبر أنهار جنوب غربي آسيا وأكبر نهر في الصفيحة العربية. ينبع من جبال طوروس في تركيا ويتشكل من رافدين رئيسيين هما مراد صو شرقاً وقره صو غرباً، ثم يلتقيان لتجري مياهه جنوباً مخترقة جبال طوروس قبل أن يتجه النهر نحو الجنوب الشرقي ماراً بسوريا ثم العراق، حيث يلتقي بنهر دجلة في منطقة كرمة علي ليشكلا شط العرب الذي يصب في الخليج العربي.
ويُعد الفرات مع نهر النيل من أغزر الأنهار في الوطن العربي. ويدخل الأراضي السورية عند مدينة جرابلس، وينضم إليه داخل سوريا نهرا البليخ والخابور، ثم يمر بمحافظتي الرقة ودير الزور قبل أن يغادر البلاد عند مدينة البوكمال متجهاً إلى العراق.
ويبلغ طول نهر الفرات نحو 2940 كيلومتراً من منابعه في تركيا حتى مصبه في شط العرب، منها 1176 كيلومتراً في تركيا و610 كيلومترات في سوريا و1160 كيلومتراً في العراق. ويتراوح عرضه بين 200 وأكثر من 2000 متر عند المصب، فيما ارتبط اسمه تاريخياً مع نهر دجلة بتسمية العراق بـ”بلاد الرافدين”.
فيضان الفرات الأخير لم يكن اختباراً لقوة النهر، بل اختباراً لضعف التخطيط السوري في عصور الجفاف والحروب. والخسائر الحقيقية ليست فقط في الجسور المنهدمة ومحطات المياه المعطلة، بل في عقود من التوسع العشوائي داخل حرم النهر، وفي ثقافة “الترقيع” التي فضّلت الحلول المؤقتة على الاستراتيجيات الدائمة. ومع انحسار المياه اليوم، يبقى سؤال الغد: كيف نعيد بناء جسور لا يجرفها أول فيضان، وخططاً لا تقع فريسة المناسباتية والترقيع؟
تلفزيون الخبر



