اقتصادالعناوين الرئيسية

علكة ولاصق جروح وكوسا بدلاً من “الفراطة” .. “نوستالجيا” سورية تعود إلى الأسواق

“نوستالجيا سورية”

تعتبر “النوستالجيا” مفهوماً يوناني الأصل مركب من كلمتين “nostos” وتعني عودة و “algos” وتعني معاناة، ويعبر عنها بـ “الحنين للماضي والألم الذي يعانيه الإنسان في حنينه للعودة لبيته وموطنه والتفاصيل المرتبطة بالماضي”.
ويتندر السوريون، اليوم، على عودة عادات باتت من الماضي، لكنها عادت لتتصدر تفاصيل حياتهم الاقتصادية، وتعاملهم مع الأسوق، فلم يعد مفاجئاً إذا قام الصيدلاني بإعادة “لزقات جروح” بدلاً من الفراطة، لزعمه بعدم توفر فئات صغيرة لديه، أو يقوم البائع بإكمال الوزن إلى أقرب وحدة نقدية كي لا يدخل في جدال مع الزبون، وغيرهم.
قد تبدو هذه التفاصيل غير مهمة، والمبالغ صغيرة، لكن هذه هي الهوامش التي يعيش عليها عدد لا يستهان به من السوريين، ويناورون عليها ليكفيهم ما يحصلون عليه من مال للحياة بالحد الأدنى.
ويأتي ذلك في وقت تنتهي فيه مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة بنهاية يوم 30 تموز، على أن تفقد اعتباراً من 31 تموز 2026 قوتها الإبرائية، وتصبح غير صالحة للتداول، فيما تستمر عملية سحبها لمدة خمس سنوات حصراً عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق، وفق ما أعلنه المصرف.
والقوة الإبرائية بالتعريف هي الصفة القانونية التي تجعل العملة مقبولة إلزامياً في تسوية الديون وفي كل المعاملات المالية داخل الدولة.

نقص الفئات الصغيرة يربك التعاملات اليومية

 

وخلال الأيام الأخيرة، بدأ عدد من المحال التجارية برفض استلام الأوراق النقدية القديمة قبل انتهاء المهلة الرسمية، استجابة لإعلانات مصرف سوريا المركزي، بينما يشكو مواطنون وتجار من صعوبة الحصول على الفئات الصغيرة من العملة الجديدة اللازمة لإتمام عمليات البيع اليومية، وهو ما انعكس على تفاصيل بسيطة تحتاج “الفراطة”.

 

ولم تقتصر المشكلة على المتاجر، إذ امتدت إلى وسائل النقل، حيث تداول سوريون عبر منصات التواصل الاجتماعي، أن بعض سائقي السرافيس يصرون على إعادة أوراق من الإصدار القديم، بينما يرفض ركاب آخرون استلامها خشية عدم قبولها في محال أخرى، ما يؤدي إلى نقاشات متكررة تحتد أحياناً لتصل حد الضرب.

وكان مصرف سوريا المركزي أعلن في وقت سابق أن أكثر من 63% من عملية استبدال العملة كانت قد أُنجزت بحلول مطلع حزيران، قبل تمديد المهلة حتى 30 تموز لإتاحة الفرصة أمام من لم يستبدل أوراقه النقدية.

 

تسعير الدواء بحاجة إلى حل ..

في إحدى الصيدليات، دفعت سمر، وهي ربة منزل، ثمن دواء اشترته، لكنها فوجئت بأن الصيدلي أعاد لها ظرف سيتامول بدلاً من 40 ليرة جديدة (تعادل 4000 ليرة من الإصدار القديم).

 

تقول سمر لمنصة الخبر: “لم أكن بحاجة إليه، لكن الصيدلي أخبرني بأنه لا يملك فراطة من الفئات الصغيرة، كما أن الستامول نفد لدي، وسألني إن كنت أفضّل الظرف بدلاً من الانتظار أو البحث عن محل آخر يصرف المبلغ.”

 

وتؤكد السيدة أن الصيدلاني لم يجبرها، واعتبرت ظرف السيتامول ضروريا في البيت، وكان يمكنها رفضه والذهاب إلى صيدلية أخرى، لكنها تشير إلى أن هذه مشكلة حقيقية ستواجه الصيدلي والزبون على حد سواء.

 

بالمقابل، تقول صيدلانية في مدينة اللاذقية، فضلت عدم ذكر اسمها، أنها إلى اليوم لا زالت تأخذ العملة القديمة من المراجعين (قبل يومين من انتهاء المهلة) وتعلل ذلك بتعاطفها مع الزبون وتجنبها ما وصفته ب”الذعر” الذي ينتابه عندما يقال له بأننا لا نأخذ العملة القديمة.

 

وتؤكد الدكتورة أن المشكلة كبيرة خاصة في الصيدليات، وطرحت مثالاً دواء ثمنه “185” ليرة جديدة، واقترحت إلغاء الخمس ليرات من التسعير، مشيرة إلى أنها متأكدة أن تعديل الأسعار سيكون على حسابهم.

 

“شرططيون” مرتين خلال يومين

لم تكن تجربة وائل، وهو طالب جامعي، مختلفة كثيراً. ففي يومين متتاليين، أعاده أحد متاجر السوبرماركت إلى منزله ومعه شريط لاصق، قيمة كل منهما 20 ليرة جديدة، بدلاً من إعادة المبلغ نقداً.

 

يقول وائل: “في المرة الأولى ظننتها حالة استثنائية، لكن عندما تكررت في اليوم التالي أدركت أن نقص الفراطة أصبح مشكلة يومية، ويكمل ضاحكاً “يبدو أن الشرططيون مو ماشي كتير عندو فعم يمشيه.. بيلزم”.

 

كوسا بدل النقود

أما نور، وهي عاملة منزلية، فتروي أن بائع الخضار لم يعرض عليها سلعة بديلة، وإنما اضاف حبتي كوسا صغيرتين من تلقاء نفسه إلى مشترياتها حتى لا يضطر إلى إعادة 15 ليرة جديدة نقداً. وتضيف: “كان الحل عملياً بالنسبة له، لكنني كنت أفضل الحصول على بقية نقودي”.

 

ورغم أن هذه المظاهر تبدو محدودة القيمة من الناحية المالية، فإن تكرارها في الصيدليات والبقاليات ومحال الخضار يعكس أثراً مباشراً لنقص توافر الفئات النقدية الصغيرة في التداول، في مرحلة انتقالية تشهد خروج العملة القديمة ودخول الإصدار الجديد بصورة كاملة، ما يجعل “الفراطة” أحد أبرز التحديات اليومية التي يواجهها المستهلكون والتجار على حد سواء.

منصة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى