العناوين الرئيسيةمحليات

عواصف غير معتادة وتنانين بحرية تضرب سوريا… هل تدخل المنطقة مرحلة مناخية أكثر قسوة؟

لم تعد الظواهر الجوية المتطرفة التي شهدتها مناطق سوريّة عدة خلال الأسابيع الماضية تُقرأ بوصفها أحداثاً معزولة أو “تقلبات موسمية عابرة”، بعد سلسلة مشاهد متقاربة زمنياً شملت تنانين بحرية على الساحل، و”أعاصير” ورياحاً شديدة في الشمال، وانهيارات لسدود ترابية بفعل الأمطار الغزيرة والسيول.

فخلال أيام قليلة فقط، شهدت مناطق متفرقة في ريف بانياس وطرطوس تنيناً بحرياً ألحق أضراراً بالمنازل والبيوت البلاستيكية والمشاريع الزراعية، بالتوازي مع ما وصفته المصادر المحلية بأنه “إعصار” ضرب بلدات قرب مدينة الراعي في ريف حلب الشمالي، قبل أن يتجه نحو الأراضي التركية وتحديداً غازي عنتاب، حيث سُجّلت أيضاً أضرار واسعة. كما تسببت انهيارات لأجزاء من سد السيحة الترابي، نتيجة الأمطار الغزيرة وسرعة الرياح، في ريف حلب الجنوبي، بغمر وأضرار في أراضٍ زراعية ومنازل.

هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة النقاش حول تغير المناخ في شرق المتوسط، وهي المنطقة التي تصنّفها تقارير دولية باعتبارها من أكثر بؤر العالم هشاشة مناخياً.

 

شرق المتوسط يسخن بوتيرة أسرع

أشارت تقارير صادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال السنوات الأخيرة إلى أن منطقة شرق المتوسط تشهد ارتفاعاً حرارياً أسرع من المتوسط العالمي، مع زيادة ملحوظة في الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات الحر والجفاف إلى العواصف المفاجئة والهطولات المركّزة خلال فترات زمنية قصيرة.

 

وفي هذا السياق، كان الراصد الجوي والبيئي عامر حليمة قال لموقع تلفزيون الخبر أن “الصيف القادم على سوريا سيكون معتدلاً ولطيفاً، وذلك مع عودة تأثير ظاهرة (النينو) الجوية التي ستعود بالبلاد خلال السنوات القادمة لطقس السبعينيات.”

 

وأوضح “حليمة” أنّه “خلال السنوات الأخيرة لم تتعرض سوريا لمنخفضات جوية باردة بشهر أيار، ما يعني أن ما يجري حالياً استثنائي، وحتى الأمطار كانت تنتهي مع منتصف شهر نيسان، عكس الموسم المطري الحالي القوي”.

 

ما هي ظاهرة النينو ؟

النينو عبارة عن ظاهرة مناخية تحدث عندما ترتفع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير معتاد، ما يخل بتوازن الرياح والتيارات البحرية.

 

هذا الاحترار المفاجئ لا يقتصر تأثيره على المحيط فقط، بل يغيّر أنماط الطقس حول العالم، مسبّباً فيضانات وجفافاً متطرفاً في مناطق متفرقة. باختصار، يمكن تشبيه النينو بـ”موجة حر محيطية” تتحرك عبر الكرة الأرضية، تؤثر على المحاصيل والصيد والطقس المحلي، وتترك بصمة واضحة على المناخ العالمي.

“الصيف القادم لن يكون حاراً”

وتابع الراصد الجوي “ما ساعد على استمرار الهطولات المطرية حالياً هو عودة ظاهرة (النينو) إلى وسط مياه المحيط الهادئ، والتي كانت غائبة خلال السنوات الست السابقة، والتي تتمثل باحترار في منطقة وسط مياه الهادئ وتنقّله من خلال عملية التوزيع الحراري إلى بحري العرب والأحمر، ما يساعد على نشوء حالات جوية مدارية رطبة جداً تمتد اتجاه سوريا، وهذا لم يكن موجوداً خلال السنوات الماضية”.

 

وأوضح “حليمة” أنّه “منذ ست سنوات تقريباً كانت الكرة الأرضية تحت تأثير ظاهرة (لانينا) المتمثلة ببرودة المياه بمنطقة وسط المحيط الهادئ، ما يغيّر أنماط الطقس حول العالم بشكل إيجابي على أمريكا وغرب أوروبا، وبشكل سلبي على سوريا والشرق الأوسط. ومع بداية شباط الماضي عادت حالة (النينو) التي تخدم سوريا، وستستمر على الأقل 5 سنوات”.

 

ونفى “حليمة” إشاعة أن يكون الصيف القادم حاراً جداً بقوله “هذا غير صحيح، لكون ظاهرة (النينو) تجعل الصيف القادم معتدلاً بالحرارة، وذلك لا يعني عدم وجود موجات حارة نهائياً، لكنها ستكون أقل عدداً وتواتراً عمّا شهدناه خلال السنوات السابقة. وربما نشهد أياماً ماطرة في المناطق الجنوبية والشرقية الصحراوية ضمن الصيف، أمّا الحرارة فستكون ضمن معدلها في دمشق مثالاً بين 36 و40، وربما تنزل لأقل من ذلك بدرجتين إلى ثلاث، ما يعني أن الطقس سيكون لطيفاً”.

 

ونوّه “حليمة” إلى أنّه “خلال السنوات القادمة في سوريا سيكون الشتاء بارداً جداً والصيف معتدلاً كما كان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وسنعود لمشاهدة الثلج عدة مرات في العام”.

 

وبيّن “حليمة” أن ذلك يعود لـ”انتهاء الحقبة المناخية الدافئة التي دخلنا بها كسوريا بين عامي 1998 و1999، وانتهت مع أوائل شهر شباط 2026، حيث ارتفعت درجات الحرارة بشكل قياسي، وكان الشتاء أدفأ من المعتاد نتيجة ارتفاع درجة الحرارة بشمال المحيط الأطلسي الذي انعكس على دول نصف الكرة الشمالية، والتي تتأثر بما يجري بالقطب الشمالي فقط، وكانت سوريا منها. الأمر الذي أضعف مواسم الشتاء وأطال مواسم الصيف. وحالياً الوضع انعكس، ولمسنا ذلك هذا العام بطول فصل الشتاء عن غير المعتاد، وأتوقع أن يكون الشتاء القادم قوياً جداً، والأقوى خلال ال 40 سنة الأخيرة”.

 

وشهدت خلال السنوات الأخيرة (تقريباً من 2015–2025)، بحسب دراسات جوية، تغيرات مناخية ملحوظة اتسمت بعدم الاستقرار، وتزايد حدّة الظواهر الجوية المتطرفة، وزيادة في درجات الحرارة مقارنة بالمعدلات العامة، وتذبذب معدلات الأمطار، وميل المواسم للجفاف النسبي.

ويقول مختصون إن ما يحدث لا يعني بالضرورة تحول سوريا إلى “منطقة أعاصير” بالمعنى المتعارف عليه عالمياً، لكن ارتفاع حرارة سطح البحر المتوسط وزيادة الرطوبة الجوية يخلقان بيئة أكثر ملاءمة لتشكل ظواهر نادرة كانت تحدث سابقاً بوتيرة أقل.

وفي السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى أن المنظومة المناخية في شرق المتوسط تنطوي على قدر كبير من التعقيد، ما يجعل التقارير العلمية الدولية تتحاشى عادة الجزم بمسارات إقليمية محددة على المدى المتوسط، مكتفية برسم سيناريوهات احتمالية تأخذ بعين الاعتبار اجتماع عوامل متعددة، لا ظاهرة بعينها. وهو ما يعني أن المشهد المناخي المقبل في سوريا ربما يحمل في طياته مفاجآت في الاتجاهين، وأن متابعته تستدعي قراءة دورية لمعطيات الأرصاد الجوية المحلية والدولية معاً، بدلاً من الاستناد إلى مؤشر واحد مهما بلغت دلالته.

 

من الجفاف إلى الفيضانات.. المناخ السوري يفقد توازنه

من المفارقات أن سوريا التي عانت خلال السنوات الماضية من موجات جفاف قاسية وتراجع حاد في الموارد المائية، تواجه مؤخراً أمطاراً شديدة بعض المناطق، خلال فترات قصيرة، وهو ما يصفه خبراء المناخ بأنه أحد أبرز تجليات التغير المناخي، حيث يصبح الطقس أكثر تطرفاً وأقل استقراراً.

وكانت وزارة الإدارة المحلية والبيئة أعلنت مطلع العام الجاري العمل مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” لإطلاق دراسة وطنية لتقييم مخاطر التغير المناخي في سوريا، بمشاركة جهات معنية بإدارة الكوارث والزراعة.

 

كما حذّرت تقارير أممية سابقة من أن سوريا باتت على “الخطوط الأمامية” لتداعيات التغير المناخي، في ظل تراجع الأمطار وازدياد موجات الحرارة والتصحر وتآكل الموارد الزراعية.

 

الزراعة تدفع الثمن الأكبر

أصابت الأضرار الأخيرة في سوريا بصورة مباشرة “البيوت البلاستيكية” والبنى الريفية الهشة، في وقت تعاني فيه الزراعة السورية أساساً من ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المياه وتراجع القدرة على التعويض.

وفي الساحل وريف حلب، طالب مزارعون متضررون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بتعويضات عن الخسائر التي لحقت بالمحاصيل والمنشآت الزراعية، وسط دعوات لتفعيل دور “صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية على الإنتاج الزراعي”، التابع لوزارة الزراعة، وهو الجهة الحكومية المعنية عادة بالتعامل مع أضرار الكوارث المناخية والزراعية في سوريا.

 

وكان “الصندوق” أعلن في وقت سابق أنه “يهدف إلى توسيع قاعدة المستفيدين، وتأمين آلية منظمة لتعويض المزارعين عن الأضرار التي تلحق بمحاصيلهم أو بثروتهم الحيوانية، بما يسهم في استمرار عملية الإنتاج الزراعي والحد من الخسائر”، بحسب وكالة “سانا”.

 

ويطرح حجم الظواهر المناخية الأخيرة تحديات تتجاوز فكرة التعويضات التقليدية، باتجاه الحاجة إلى خطط وقاية محلية تشمل تحسين شبكات التصريف المائي، وتعزيز متانة السدود الترابية، ووضع خرائط للمناطق الأكثر عرضة للسيول والعواصف، إضافة إلى تحديث أنظمة الإنذار المبكر.

 

ما الذي ينتظر المنطقة؟

عالمياً، تسجّل السنوات الأخيرة أرقاماً قياسية في درجات الحرارة، فيما يؤكد العلماء أن البحر المتوسط تحول إلى إحدى “النقاط الساخنة” مناخياً على مستوى العالم، مع ارتفاع حرارة مياهه بوتيرة متسارعة.

 

هذا الواقع لا يعني أن كل عاصفة أو “تنين بحري” سببه المباشر التغير المناخي، لكن تشير الدراسات العلمية أن الاحترار العالمي يزيد من شدة الظواهر الجوية واحتمالات تكرارها.

 

وبالنسبة لسوريا، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً بسبب هشاشة البنية التحتية وتراجع إمكانات الاستجابة للكوارث بعد سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية، ما يجعل أي حادثة مناخية حادة قادرة على التحول سريعاً إلى أزمة معيشية وزراعية واسعة.

 

وفي ظل هذا المشهد، لم يعد الحديث عن التغير المناخي في سوريا نقاشاً بيئياً نخبوياً، بل قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والمياه واستقرار المجتمعات الريفية، مع مؤشرات توحي بأن المنطقة تدخل تدريجياً مرحلة مناخية أكثر قسوة وتقلباً.

تلفزيون الخبر

اقرأ أيضاً: الصيف في سوريا سيكون معتدلاً ولطيفاً .. خبير جوي يشرح “عودة ظاهرة النينو”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى