سوريا تعتمد التبليغ الإلكتروني في المحاكم: خطوة نحو الحكومة الرقمية أم تحدٍ للحقوق التقليدية؟

أعلنت الهيئة العامة السباعية لدى محكمة النقض السورية مؤخراً عن إصدار قرار يلزم جميع الخصوم ووكلائهم في الدعاوى المقامة أمام القضاء باعتماد عنوان إلكتروني أو أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية أو الرسائل النصية، بحيث يُعتبر التبليغ عبر هذه الوسائل بمثابة التبليغ بالذات.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” هذا القرار الذي يدخل حيز التنفيذ فوراً.
سياق القرار وأبعاده القانونية
ويأتي هذا القرار، وفق محامين وخبراء قانونيين، ضمن سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تحديث آليات العمل القضائي في سوريا، بما يتوافق مع التحول الرقمي الحكومي الذي بدأته الحكومة السورية في السنوات الأخيرة.
ويعتبر التبليغ الإلكتروني خطوة مهمة لتسهيل وصول المراسلات القانونية إلى الأطراف المعنية بسرعة أكبر، وتخفيض الكلفة المرتبطة بالبريد التقليدي والموظفين القضائيين.
وفي تصريحات لمصدر قضائي سوري، نقلتها “سانا”، فإن “التبليغ عبر الوسائل الإلكترونية سيأخذ نفس الصفة القانونية للتبليغ بالذات، وهو ما يضمن سرعة وفاعلية أكبر في إجراءات المحاكم”.
إيجابيات وسلبيات التبليغ الإلكتروني
تعتبر السرعة والكفاءة من أهم إيجابيات التبليغ الإلكتروني، حيث تصل المراسلات إلى الأطراف في دقائق، مقارنة بأسابيع في البريد التقليدي.
ويضاف إليها التكلفة المنخفضة، من خلال تقليل الاعتماد على الموارد البشرية واللوجستية المكلفة، كما تؤمن تسهيل التوثيق عبر إمكانية الاحتفاظ بالسجلات الإلكترونية لتوثيق الإجراءات القانونية.
لكن هناك تحفّظات جدية، مطروحة بشدة خاصة فيما يتعلق بالخصوصية وأمان البيانات.
وتعتبر مخاطر الاختراق الإلكتروني، على رأس التحديات، والتحفظات التي تؤخذ على القرار، حيث من الممكن أن تتعرض الرسائل القانونية للتلاعب أو الاطلاع غير المشروع.
كما يتحفظ قانونيون على غياب “العدالة التقنية” أحياناً، فقد يعاني بعض الأطراف، خصوصًا كبار السن أو ذوي الوصول المحدود للإنترنت، من صعوبة التكيف مع النظام الجديد.
كما يثار السؤال حول كيفية التعامل مع الحالات التي يرفض فيها الطرف الآخر استخدام وسائل التواصل الإلكترونية.
سياق دولي وتجارب مشابهة
السعي نحو التبليغ الإلكتروني ليس حدثاً جديداً أو فريداً، فقد اعتمدته عدة دول لتحديث القضاء.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية، تعتمد بعض الولايات مثل كاليفورنيا وكولورادو نظام الإيداع والتبليغ الإلكتروني للوثائق المدنية، حيث يتيح للهيئات القضائية والخصوم إرسال واستلام المراسلات بشكل آمن عبر منصات رقمية.
كما أطلقت الهند نظام “eCourts” عام 2007، والذي يسمح بالتبليغ الإلكتروني والإيداع عبر الإنترنت، مع التركيز على حماية البيانات الشخصية.
وفي دول الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وفرنسا، أصبح التبليغ الإلكتروني خياراً رسمياً في القضايا المدنية، مع تشريعات دقيقة لضمان حقوق الخصوم.
الحكومة الإلكترونية في سوريا
يرتبط القرار السوري أيضاً بمحاولات الحكومة الانتقال نحو ما يُعرف بـ”الحكومة الإلكترونية”، والتي تشمل رقمنة المعاملات الإدارية وتقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت.
ومنذ 2010، بدأت سوريا بمبادرات محدودة، مثل تسجيل الشركات والضرائب إلكترونياً، ولكن الحوكمة الرقمية شهدت تسارعاً ملحوظاً بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، مع التركيز على خفض البيروقراطية وتحسين الوصول للخدمات الأساسية.
ويمثل التبليغ الإلكتروني خطوة نحو تحديث القضاء السوري وربطه بالتحول الرقمي الحكومي، ويعتد نجاحه على وضع آليات لحماية حقوق الخصوم وضمان وصول جميع الأطراف للوسائل الإلكترونية بشكل متساوٍ.
ويطرح القرار السوري نموذجًا متطوراً لتقليص الفجوة بين القضاء التقليدي والتكنولوجيا الحديثة، في سياق دولي يشهد تزايداً في اعتماد الحلول الرقمية لضمان فعالية العدالة.
تلفزيون الخبر



