المونديال وهدنة الـ90 دقيقة: كرة القدم بين صناعة السلام وتدوير الانقسام

مع انطلاق كأس العالم، يعود الحدث الرياضي الأضخم إلى واجهة المشهد العالمي بوصفه مساحة تتجاوز حدود الترفيه. فالمونديال لا يعمل كأداة لصناعة السلام بالمعنى السياسي المباشر، بل كـ”هدنة شعورية” مؤقتة، تتراجع خلالها التوترات الرمزية بين الشعوب لصالح تنافس منضبط داخل ملعب مغلق بقواعد واضحة.
المونديال كهدنة شعورية عالمية لا كسلام سياسي
مع انطلاق كأس العالم، يعود الحدث الرياضي الأضخم إلى واجهة المشهد العالمي بوصفه مساحة تتجاوز حدود الترفيه. فالمونديال لا يعمل كأداة لصناعة السلام بالمعنى السياسي المباشر، بل كـ”هدنة شعورية” مؤقتة، تتراجع خلالها التوترات الرمزية بين الشعوب لصالح تنافس منضبط داخل ملعب مغلق بقواعد واضحة.
هذا التحول من الصراع إلى التنافس لا يعني اختفاء جذور الخلافات، بل إعادة تنظيمها ضمن إطار قابل للاستهلاك الجماهيري. فبدلاً من المواجهة المفتوحة، يصبح هناك زمن محدد، وقواعد موحدة، ونهاية حتمية بصافرة تحسم النتيجة دون امتداد للصراع خارج الملعب.
ومن هنا، يمكن قراءة المونديال كجزء من منظومة حديثة لإدارة الانفعالات الجماعية، حيث تُنقل الشحنات العاطفية من المجال السياسي والاجتماعي إلى المجال الرياضي، دون أن يُمس جوهر التوترات الأصلية.
إعادة هندسة العنف داخل قواعد اللعبة
تقوم كرة القدم على منطق معقد لا يلغي العنف، بل يعيد تشكيله داخل نظام صارم. فكل مباراة هي تحويل للطاقة الصراعية إلى رموز: هدف مقابل هدف، فوز مقابل خسارة، ضمن زمن محدد ومجال مغلق.
هذه البنية جعلت اللعبة واحدة من أكثر الأدوات قدرة على “ترويض الانفعال الجماعي”، إذ تنتقل الجماهير من احتمالات الصراع المباشر إلى مساحة رمزية آمنة نسبياً. غير أن هذا التحول لا يخلو من إشكاليات، إذ يتم في كثير من الحالات إعادة إنتاج الانتماءات الحادة داخل المدرجات وخارجها.
ومع توسع الإعلام الرقمي، أصبحت هذه الانفعالات أكثر قابلية للانتشار والتضخيم، ما يرفع مستوى الاستقطاب ويجعل من المباراة مساحة اجتماعية تتجاوز حدود الرياضة نفسها.
الدبلوماسية الناعمة.. أثر محدود وزمن مؤقت
منذ عقود، استُخدمت الرياضة ضمن إطار ما يعرف بالدبلوماسية الناعمة، حيث تسعى الدول إلى توظيف البطولات الكبرى لتحسين صورتها الدولية أو تعزيز حضورها الرمزي.
كأس العالم تحديداً يشكل منصة مركزية لهذا الاستخدام، لكنه يظل محدود التأثير بطبيعته. فالتقارب الذي ينتجه الحدث غالباً ما يكون مرتبطاً بزمن البطولة فقط، قبل أن تتراجع آثاره مع عودة التوترات السياسية والاجتماعية إلى مساراتها الطبيعية.
وبذلك، فإن دور الرياضة هنا لا يتجاوز خلق “جسور ظرفية”، دون أن يتحول إلى مسار مستدام لبناء الثقة أو تسوية النزاعات.
وجه آخر للمونديال: إعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمعات
إلى جانب خطاب التلاقي، يكشف المونديال عن وجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع نفسه. فالهويات الرياضية تتحول سريعاً إلى هويات حادة، تتداخل فيها الانتماءات العاطفية مع الخلفيات الاجتماعية والثقافية.
وتلعب المنصات الرقمية دوراً مضاعفاً في هذا السياق، حيث تُعيد تشكيل النقاش الرياضي ضمن فضاء من التفاعل السريع والاستقطاب العالي، ما يجعل من البطولة مساحة جدل اجتماعي ممتد.
هذا الواقع يطرح إشكالية أساسية: هل تقرّب كرة القدم الشعوب فعلاً، أم أنها تعيد تنظيم اختلافاتها ضمن أشكال جديدة من الانقسام الرمزي؟
السلم الأهلي والتماسك المجتمعي: تماسك لحظي لا بنيوي
في البعد الاجتماعي، يمكن للمونديال أن يخلق لحظات من التماسك المؤقت داخل المجتمع الواحد، حيث تتقاطع الاهتمامات حول حدث مشترك. غير أن هذا التماسك يظل ظرفياً، لأنه لا يستند إلى تغييرات في البنية الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية.
فالسلم الأهلي، بمعناه العميق، يتطلب منظومة من العوامل المستدامة، بينما يعمل المونديال ضمن زمن محدود وانفعال جماعي مؤقت. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنه يخلق مساحة تواصل رمزية بين شرائح مختلفة، حتى في البيئات التي تعاني من التباين أو التوتر.
السياق السوري: استراحة من الواقع أم نافذة على العالم؟
في الحالة السورية، يكتسب المونديال بعداً إضافياً يتجاوز الحدث الرياضي. فهو بالنسبة لكثيرين مساحة انفصال مؤقت عن ضغط الواقع، وفرصة لإعادة الاتصال بعالم خارجي يبدو أكثر انتظاماً واستقراراً.
لكن هذا الانفصال لا يلغي البعد الداخلي، حيث تظل كرة القدم أحد العناصر القليلة القادرة على خلق حالة مشاركة جماعية تتجاوز الانقسامات اليومية. ومع ذلك، يبقى هذا التأثير محدوداً زمنياً، ولا يتحول إلى تغيير في بنية العلاقات الاجتماعية أو السياسية.
حدود المونديال: لماذا لا يصنع سلاماً حقيقياً؟
رغم قوته الرمزية الهائلة، يظل المونديال عاجزاً عن التحول إلى مشروع سلام حقيقي. فهو لا يعالج جذور الصراع، بل يشتغل على تمثيلاته. كما أنه قائم على منطق التنافس لا التسوية، وعلى الانفعال لا البناء المؤسساتي.
إضافة إلى ذلك، فإن ارتباطه بالاقتصاد الإعلامي والرياضي العالمي يجعله جزءاً من صناعة ترفيه كبرى، تُقاس فيها القيمة بالانتشار والتفاعل، لا بالأثر الاجتماعي العميق.
هدنة لا تغيّر العالم لكنها تكشف حاجته إليها
في النهاية، لا يمكن النظر إلى كأس العالم كمشروع سلام، بل كمساحة لإدارة الانفعال الإنساني على نطاق عالمي. هو هدنة شعورية مؤقتة، لا تغيّر الواقع، لكنها تكشف حاجة العالم المستمرة إلى لحظات اتفاق رمزي، ولو داخل زمن محدد وضمن قواعد لعبة.
تلفزيون الخبر



