في الدالية بريف جبلة.. أحمد منصور يحوّل منزله إلى “محمية منزلية” يتابعها مئات آلاف السوريين

في قرية الدالية بريف جبلة، يقود أحمد منصور تجربة فردية لتربية ورعاية الحيوانات، تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة رقمية يتابعها نحو 300 ألف شخص، فيما تحصد مقاطع الفيديو التي ينشرها مئات آلاف المشاهدات، مع تسجيل بعضها أكثر من مليون مشاهدة.
تفاعل يتجاوز المشاهدة إلى المتابعة اليومية
ولا يقتصر حضور الصفحة على المشاهدة، بل يتعداه إلى تفاعل يومي يغلب عليه الطابع الإنساني، حيث يشارك المتابعون في تقديم نصائح أو متابعة حالات الحيوانات، في وقت يأتي فيه معظم الجمهور من داخل سوريا، إلى جانب متابعين من المغتربين.

هذا التفاعل، بدوره، حوّل الحيوانات إلى عناصر ضمن سرد مستمر، يتعامل معها الجمهور بأسمائها ويتابع تفاصيلها بشكل يومي.
ويعزو متابعون هذا الانتشار إلى طبيعة المحتوى القائم على العفوية والاستمرارية، حيث تُقدَّم مشاهد يومية غير مصطنعة، تبتعد عن القوالب التقليدية للمحتوى الترفيهي.
ويُسهم غياب الإخراج المبالغ فيه، والتركيز على سلوك الحيوانات ضمن بيئتها المباشرة، في تعزيز مصداقية المشاهد لدى الجمهور، الذي يجد في هذه المقاطع نموذجاً بسيطاً وقريباً من الواقع.
بيئة متنوّعة داخل مساحة واحدة
وفي مقاطع ينشرها بشكل دوري، تظهر أنواع مختلفة من الحيوانات البرية والأليفة وهي تتشارك المساحة ذاتها، في مشاهد توثّق تفاعلات مباشرة بينها، ضمن نمط غير مألوف في البيئات المنزلية.
ويعتمد منصور أسلوب تسمية الحيوانات، ما يمنحها حضوراً فردياً لدى المتابعين، ويعزّز ارتباطهم بها.
ولا تقتصر خصوصية التجربة على تنوّع الحيوانات، بل تمتد إلى طريقة تقديمها، حيث تتحول إلى “شخصيات” معروفة لدى المتابعين. الطاووس “زعتر” يفتتح يوميات الصفحة، والغراب “باكيرا” يحضر في مقاطع متكررة، فيما يظهر الكلب “دعبول” في
تفاعلات لافتة مع باقي الحيوانات، إلى جانب الغزالة “سارة” وحيوانات أخرى باتت أسماؤها جزءاً من ذاكرة المتابعين اليومية.
هذا الحضور بالأسماء انعكس على طبيعة التفاعل، حيث لا يتعامل المتابعون مع الحيوانات بوصفها كائنات عامة، بل كحالات فردية يتابعون تفاصيلها، ويعلّقون على سلوكها، بل ويشاركون أحياناً في اقتراح أسمائها عند ظهور حيوانات جديدة. هذا النمط من التفاعل يعكس مستوى ارتباط يتجاوز المشاهدة التقليدية، نحو علاقة مستمرة مع محتوى يومي متجدد.
من إنقاذ حالات فردية إلى تجربة ممتدة
وبحسب ما ذكره منصور في تصريحات سابقة، بدأت هذه التجربة باستقبال حيوانات مصابة أو مهددة، قبل أن تتوسع تدريجياً.
ويقول: “نحاول خلق توازن قريب من الطبيعة، كل حيوان له دور”، مشيراً إلى أن بعض الحيوانات يتم إطلاقها مجدداً في بيئتها الطبيعية بعد تعافيها، فيما يبقى جزء منها بحاجة إلى رعاية مستمرة داخل المكان.

وفي المقابل، يتركّز المحتوى بشكل أساسي على الحيوانات وسلوكها، مع حضور محدود لمنصور نفسه، الذي يظهر غالباً في سياق التفاعل معها أو لتوضيح بعض الحالات، أو توجيه رسائل شكر للمتابعين.
هذا النمط يعزّز طابع “التوثيق اليومي” أكثر من كونه محتوى شخصياً تقليدياً.
بين التعاطف والواقع البيئي تجربة تطرح أسئلة أوسع
ويأتي هذا الاهتمام في سياق بيئي ضاغط تشهده مناطق الساحل السوري، من حرائق الغابات إلى تراجع الغطاء النباتي، ما يمنح هذه المشاهد بعداً إضافياً لدى الجمهور، يتجاوز الترفيه إلى نوع من الارتباط بقضايا البيئة.
وفي الجانب العملي، تفرض رعاية هذا العدد المتنوع من الحيوانات التزامات يومية تتعلق بالتغذية والمتابعة الصحية وتأمين بيئة مناسبة لكل نوع، ما يجعل التجربة أقرب إلى عمل مستمر يتطلب وقتاً وجهداً، وليس مجرد نشاط جانبي.
يذكر أنه ورغم غياب أرقام دقيقة حول الكلفة، إلا أن طبيعة الرعاية المقدّمة تشير إلى عبء متزايد، خاصة مع تنوّع الحالات بين إنقاذ وعلاج وإعادة تأهيل.
ومع الطابع الإنساني الذي يطغى على التفاعل، تفتح تجربة أحمد منصور الباب أمام تساؤلات تتعلق بدور المبادرات الفردية في التعامل مع الحياة البرية، وحدود قدرتها على الاستمرار والتوسع.
وفي وقت تتزايد فيه المتابعة، تبدو هذه التجربة نموذجاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتجاوز معها تجربة أحمد منصور حدود مبادرة فردية، لتصبح نموذجاً حيّاً على إمكانية خلق علاقة مختلفة مع الطبيعة، تقوم على الرعاية اليومية والتفاعل المباشر، وتجد صداها لدى جمهور واسع يبحث عن محتوى صادق وقريب من الواقع.
وبين إنقاذ الحيوانات وتوثيق تفاصيلها، تتشكل مساحة تجمع بين البعد الإنساني والبيئي، وتقدّم مثالاً بسيطاً لكنه مؤثر على قدرة المبادرات الفردية في إحداث أثر ملموس، حتى ضمن أكثر الظروف تعقيداً.
تلفزيون الخبر



