هل سيقام حفل أصالة في دمشق ؟

قبل نحو عشرة أيام من الموعد المقرر لعودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى المسرح في دمشق، تحوّل الحفل المنتظر إلى محور جدل سياسي وديني وثقافي، في مشهد يعكس التوترات التي ترافق محاولة سوريا إعادة إطلاق حياتها الفنية.
وتستعد أصالة لإحياء حفل في صالة الفيحاء الرياضية بدمشق في 17 أيلول، وسط حديث عن حفل ثان في المكان نفسه في 19 سبتمبر، في أول عودة فنية لها إلى العاصمة السورية بعد غياب يقارب 15 عاماً.
لكن الحفل الذي تقدمه وزارة الثقافة بوصفه جزءاً من عودة النشاط الفني إلى البلاد، يواجه حملة تطالب بإلغائه يقودها “الشيخ محمد خير الذهبي”، بينما تتداول وسائل التواصل الاجتماعي مواقف ودعوات من رجال دين آخرين، من بينهم الشيخ عدنان العرعور.
دعوات دينية لإلغاء الحفل
أثار “الذهبي” خلال الأيام الماضية جدلاً واسعاً بعد انتقاده إقامة حفل أصالة، معتبراً أن “بعض الفعاليات الفنية والغنائية لا تتوافق مع رؤيته للأحكام والقيم الدينية والاجتماعية”.
وانتقد “الذهبي” كذلك وزارة الثقافة على خلفية إغلاق التعليقات على أحد منشوراتها المتعلقة بعودة أصالة، في خطوة اعتبرها “مؤشراً على محاولة الحد من الاعتراضات على الحفل”.
وترافقت مواقف “الذهبي” مع تداول حديث عن بيان لعدد من رجال الدين يطالب بإلغاء الحفل، ويقال إنه وُجّه إلى وزارة الثقافة، مع تداول اسم الشيخ عدنان العرعور بين الشخصيات المرتبطة بهذا التحرك.
غير أن النص الكامل للبيان، وقائمة الموقعين عليه، لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة من مصدر رسمي أو وكالة أنباء موثوقة حتى إعداد هذا التقرير. ولذلك لا يمكن تأكيد أن “العرعور” وقّع البيان أو تحديد مضمون مواقفه فيه دون الاطلاع على الوثيقة الأصلية.
ويمثل “العرعور” شخصية معروفة في المشهد الديني والسياسي السوري، وارتبط اسمه بخطاب معارض للنظام السابق.
وتأتي الدعوات الحالية في وقت يتسع فيه النقاش داخل سوريا حول طبيعة الحياة العامة في المرحلة الجديدة، ودور المؤسسات الدينية في الفضاء الثقافي، وما إذا كانت إقامة الحفلات الفنية يجب أن تخضع فقط للقوانين والجهات الرسمية المختصة أم لمعايير دينية واجتماعية إضافية.
وزارة الثقافة تتمسك بالحفل
في المقابل، لا تبدو وزارة الثقافة مستعدة للتراجع عن تنظيم الحفل. وأكدت الوزارة رعايتها لعودة أصالة إلى دمشق، بينما أعلن وزير الثقافة محمد ياسين الصالح أن الوزارة تستعد لحفلها، كما تحدث عن رعاية ألبومها الجديد.
وأشاد “الصالح” ب”موقف أصالة من الثورة السورية منذ عام “2011، وقال إنها “تحملت الكثير بسبب دعمها للشعب السوري”، مشيراً أيضاً إلى “تبرعها بمجوهراتها لمساعدة السوريين في بدايات الثورة”.
كما وصف نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور عودة أصالة بأنها حدث ذو دلالة رمزية، معلناً أن النقابة قدمت التسهيلات اللازمة للحفلين، وأن الوزارة والنقابة تعتزمان تكريم الفنانة، التي وصفها بأنها “أيقونة سورية وطنية وثورية”.
وبذلك يبدو الخلاف الحالي أكبر من خلاف حول مطربة أو حفل؛ فهو اختبار مبكر للجهة التي ستملك القرار في تحديد طبيعة المشهد الثقافي والفني في سوريا الجديدة.
أصالة.. من نجمة سورية إلى صوت معارض
تكتسب عودة أصالة إلى دمشق أهمية إضافية بسبب “تاريخها السياسي خلال الثورة السورية”.
فمع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، أعلنت الفنانة السورية تأييدها للمتظاهرين ومطالب الحرية والكرامة، واتخذت موقفاً صريحاً ضد نظام بشار الأسد.
وأثار موقف أصالة ردود فعل شعبية كبيرة، كونها كانت مقربة جدا من نظام بشار الأسد، ومن نظام أبيه من قبله الذي تكفل بعلاجها، وغنت له “ حماك الله يا أسد”.
وأدى ذلك إلى تعرضها لحملات انتقاد وتهديد، واضطرت إلى مغادرة سوريا. كما أصبحت من أبرز الفنانين السوريين الذين اتخذوا موقفاً علنياً ضد النظام.
وبعد سقوط نظام الأسد، بدأت صفحة جديدة في علاقة أصالة بالمؤسسات الثقافية الرسمية السورية، وصولاً إلى إعلان عودتها لإحياء حفلات في دمشق.
“بعض الثوار يسألون: ماذا قدمت أصالة للثورة؟”
المفارقة التي أحدثها الإعلان عن الحفل أن الجدل حول أصالة لم يأت من خصومها الدينيين فقط، فعلى الطرف الآخر، يبدي بعض الناشطين و”الثوريين السوريين” تحفظاً على الاحتفاء الكبير بها.
ويطرحون سؤالاً مختلفاً: “هل كان موقف أصالة السياسي كافياً لكي تُقدّم اليوم بوصفها رمزاً للثورة، أم أن الفنان الذي يريد أن يحتل موقعاً مركزياً في المشهد الثقافي الجديد كان ينبغي أن يقدم للثورة أكثر من المواقف والتصريحات؟”
ولا يمثل هذا الرأي موقفاً موحداً للثوار أو الناشطين، لكنه حاضر في النقاشات التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي.
ويستند المنتقدون إلى أن الثورة السورية أنتجت، خلال سنوات الحرب، فنانين وكتاباً ومثقفين وناشطين دفعوا أثماناً شخصية ومهنية أكبر مما قدمت صاحبة أغنية “بشارك بالأمل الواعد حارس أحلامك يا شام”.
بينما يرى مؤيدو أصالة أن اتخاذ موقف علني ضد نظام الأسد منذ بداية المظاهرات كان بحد ذاته قراراً محفوفاً بالمخاطر، وأن الفنان ليس مطالباً بالتحول إلى ناشط سياسي أو مقاتل حتى يكون موقفه ذا قيمة.
ويأتي هذا الجدل في وقت أصبح فيه تقييم مواقف الفنانين خلال ال 14 عاماً المنصرمة جزءاً من الحياة الثقافية السورية نفسها.
ففي تموز الماضي، شهدت سوريا احتجاجات واعتراضات على حفلات لفنانين عُرفوا بتأييدهم للنظام السابق، وأدى بعضها إلى إلغاء حفلات، ما يؤكد أن سؤال العلاقة بين الفن والسياسة لم ينته بسقوط النظام، بل انتقل إلى مرحلة جديدة من المحاسبة والجدل المجتمعي.
تذاكر تبدأ من 50 دولاراً
ولم تقتصر الاعتراضات على هوية أصالة ومواقفها السياسية أو على طبيعة الحفل.
فأسعار التذاكر أثارت بدورها موجة جدل واسعة، بعدما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي أرقاماً وصلت في بعض المنشورات إلى 800 دولار.
إلا أن شركة «أوغار إيفنتس»، المنظمة للحفل، نفت صحة هذه الأرقام، وأعلنت الأسعار الرسمية التي تبدأ من 50 دولاراً للفئات المدرجة وتصل إلى 250 دولاراً للفئات الأعلى، مع بدء الحجز الإلكتروني في 5 أيلول عبر منصة “إيفينتو”، فيما بقيت بطاقات “VVIP” خارج الحجز الإلكتروني.
وفي بلد لا يزال يعاني من أزمة اقتصادية عميقة وتراجع كبير في القدرة الشرائية، أثارت هذه الأسعار تساؤلات حول الجمهور الذي يستطيع تحمل كلفة حضور حفل كهذا.
وفي محاولة لمنح الحدث بعداً اجتماعياً، أعلنت الجهة المنظمة تخصيص 50 في المئة من عائدات الحفلين للجمعيات الخيرية، بالتعاون مع مجموعة “غلوري” القابضة.
وهكذا يجتمع في الحفل طرفان متناقضان: أسعار مرتفعة نسبياً بالنسبة إلى غالبية السوريين، ورسالة خيرية تقول الجهة المنظمة إنها ستعيد نصف الإيرادات إلى المجتمع.
عودة بعد 15 عاماً
بالنسبة إلى أصالة، يمثل الحفل أكثر من مجرد ليلة غنائية، فآخر ظهور فني كبير لها أمام جمهورها السوري كان قبل نحو 15 عاماً، قبل أن تخرج البلاد إلى حرب طويلة قسمت المجتمع والسياسة والثقافة.
وعودتها اليوم تأتي في سياق عودة تدريجية للحفلات والفعاليات الفنية إلى دمشق، واستضافة أسماء سورية وعربية غابت عن البلاد خلال سنوات الحرب.
وتقدم وزارة الثقافة الحفل باعتباره جزءاً من استعادة الحياة الثقافية، فيما ترى أوساط فنية أن عودة الفنانين السوريين إلى مسارح بلدهم يمكن أن تشكل بداية لإعادة بناء المشهد الفني الذي تضرر بشدة خلال أكثر من عقد. لكن الجدل حول أصالة يكشف في الوقت نفسه صعوبة هذه المهمة.
فالمجتمع السوري الخارج من حرب طويلة لا يزال يحمل ذاكرة سياسية ودينية واجتماعية شديدة الحساسية، والفنانون الذين اتخذوا مواقف خلال الحرب لم يعودوا يُنظر إليهم باعتبارهم فنانين فقط، بل بوصفهم أيضاً أصحاب مواقف سياسية لها تبعاتها.
اختبار مبكر لسوريا الجديدة
حتى الآن، تؤكد المؤشرات الرسمية أن الحفل مستمر، وأن وزارة الثقافة متمسكة برعايته، بينما تستمر الاعتراضات والدعوات المطالبة بإلغائه.
ومن غير الواضح ما إذا كانت الضغوط ستؤدي إلى أي تغيير في موعد الحفل أو مكانه أو شروط إقامته. لكن المؤكد أن القضية تجاوزت حدود أصالة نفسها.
فإذا أقيم الحفل وسط حضور جماهيري كبير، فستكون وزارة الثقافة قد وجهت رسالة واضحة بأنها صاحبة القرار في إدارة النشاط الفني، وأن المرجعيات الدينية لا تملك حق تعطيل الفعاليات الثقافية المرخصة.
أما إذا أُلغي الحفل تحت ضغط الاعتراضات، فستكون الرسالة مختلفة تماماً، وقد تفتح الباب أمام أسئلة أكبر بشأن مستقبل الفن والحفلات والمهرجانات في سوريا.
وبينما تستعد أصالة للوقوف على المسرح الذي غابت عنه نحو 15 عاماً، يستعد المجتمع السوري بدوره لاختبار يتجاوز الأغنية والموسيقى.
فهل ستغني أصالة في دمشق كما خططت وزارة الثقافة؟ أم ستنجح حملة الاعتراض في إلغاء الحفل؟ وفي سوريا التي تحاول رسم ملامح مرحلة جديدة، من ستكون له الكلمة الأخيرة: الوزارة، أم المرجعيات الدينية، أم الجمهور؟



