أمطار أيلول تنعش زيتون الساحل السوري وتربك حسابات القطاف

في الساحل السوري، لا يُنظر إلى الزيتون بوصفه محصولاً زراعياً فقط، بل جزءاً من ذاكرة الريف ومؤونة البيوت ومصدر رزق لعائلات ارتبطت بالأرض وأشجارها جيلاً بعد جيل.
ومع أمطار أيلول التي سبقت موسم القطاف، و
جد المزارعون أنفسهم أمام معادلة دقيقة: ماءٌ تحتاجه الأشجار، لكن ثماراً ينبغي ألا تُقطف وهي مبللة أو قبل بلوغ مرحلة النضج المناسبة.
توقعات بموسم وفير
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الأمطار التي هطلت خلال الموسم الحالي انعكست بصورة إيجابية على الوضع المائي لأشجار الزيتون في سوريا، فيما يتجه المحصول إلى موسم وفير.
وقدرت وزارة الزراعة الإنتاج الأولي المتوقع من ثمار الزيتون بنحو 954,730 طناً، منها نحو 80 بالمئة مخصصة للعصر، مع توقع إنتاج نحو 190,946 طناً من زيت الزيتون، وفق تقديرات مدير مكتب الزيتون في الوزارة محمد قواس التي نشرتها وكالة الأنباء السورية (سانا) في 25 أيلول.
وقال “قواس” إن “تحسن معدلات الهطول المطري ساهم في رفع رطوبة التربة وتحسين التغذية المائية للأشجار وتعزيز نمو الثمار وزيادة تراكم الزيت”.
أيلول في الساحل وحالة عدم استقرار جوي
وفي الساحل، حيث تعد طرطوس واللاذقية من أبرز مناطق زراعة الزيتون، شهد شهر أيلول حالات من عدم الاستقرار الجوي وهطولات مطرية متكررة.
وحذرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في 17 أيلول من حالة جوية رعدية تركز تأثيرها على الساحل، ولا سيما المنطقة الممتدة بين اللاذقية وطرطوس، فيما شهدت المنطقة في وقت لاحق من الشهر اضطرابات جوية وبحرية متكررة.

ويرى مزارعون في ريف جبلة أن تأثير المطر لا يمكن تقييمه بمعزل عن مرحلة تطور الثمرة. ويقول المزارع أبو محمد لمنصة الخبر إن “تحديد موعد القطاف يحتاج إلى متابعة الموسم منذ تشكل الثمار”، مشيراً إلى “اختلاف موعد القطاف حتى بين القرى المتجاورة، وأن بعض المزارعين يعتمدون هطول أول مطرة في أيلول مؤشراً للبدء، بينما يفضل آخرون مراقبة الثمرة ولونها ودرجة نضجها قبل اتخاذ القرار”.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الموسم الحالي مع بدء بعض العائلات في المنطقة قطاف الزيتون مبكراً. وينقل مزارعون ملاحظات عن ارتفاع نسبة الماء في بعض الثمار المقطوفة، وهو ما يفسر، بحسب خبرتهم، انخفاض كمية الزيت المستخلصة قياساً بكمية الثمار في بعض القطاف المبكر.
مهندسة زراعية تنصح بعدم القطاف بعد المطر
وتميز المهندسة الزراعية رهف داوود بين الأثر الزراعي للمطر وبين أثره على عمليات القطاف والعصر. وتقول لمنصة الخبر إن “تحسن الرطوبة في التربة يخدم الأشجار والثمار، لكن لا ينصح بقطاف الزيتون مباشرة بعد هطول المطر، بل ينبغي الانتظار حتى تجف الثمار، مع مراعاة مرحلة النضج وموعد القطاف الذي تحدده وزارة الزراعة لكل منطقة”.
ويتوافق ذلك مع الإرشادات الفنية الدولية الخاصة بتحديد موعد قطاف الزيتون. فالمجلس الدولي للزيتون يشير إلى أن موعد الحصاد الأمثل لا يعتمد على تغير لون الثمرة وحده، وإنما ينبغي تقييم تطور الثمرة ومحتواها من الزيت وقدرة الاستخلاص وخصائص الزيت، مع اختلاف التوقيت الأمثل بحسب الصنف والظروف المحلية.
كما تظهر الدراسات الفنية أن تغير كمية الماء في الثمرة قرب موعد القطاف يمكن أن يؤثر في مؤشرات استخلاص الزيت، وأن الأمطار التي تهطل قبل الحصاد قد تغير رطوبة الثمار وبالتالي تؤثر في عملية العصر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة زيادة كمية الزيت داخل الثمرة نفسها.
“داوود” تحذر من تخزين الزيتون

وتحذر المهندسة داوود من تخزين الزيتون المقطوف لفترات طويلة، خصوصاً في أكوام أو أكياس مغلقة، لأن ارتفاع الحرارة والرطوبة وتسارع التلف والتخمر يمكن أن ينعكس سلباً على جودة الزيت.
وتوصي المهندسة بنقل الثمار إلى المعصرة في أسرع وقت ممكن واستخدام حاويات تسمح بالتهوية.
وتؤكد إرشادات جامعة كاليفورنيا بشأن جودة زيت الزيتون أهمية تقليل الفترة بين القطاف والعصر، مشيرة إلى أن تلف الثمار وارتفاع الحرارة وطول فترة النقل وضعف التهوية عوامل يمكن أن تشجع التخمر وتؤثر في الجودة.
ولا يعني ذلك أن أمطار أيلول أضرت بالموسم الساحلي. فحتى الآن، تشير تقديرات وزارة الزراعة إلى تحسن عام في الظروف المائية وإلى زيادة كبيرة متوقعة في الإنتاج مقارنة بالموسم الماضي، الذي قدرت الوزارة إنتاجه بنحو 412 ألف طن من ثمار الزيتون ونحو 66 ألف طن من الزيت.

وفي الوقت نفسه، فإن توقيت القطاف يبقى عاملاً حاسماً. وتظهر تعليمات وزارة الزراعة السابقة أن مواعيد القطاف تختلف بين المحافظات والمناطق تبعاً للنضج والظروف المناخية والأصناف، وأن المناطق الساحلية لها توقيت مختلف عن مناطق أخرى بسبب طبيعتها المناخية والأصناف المزروعة فيها.
وبذلك تبدو أمطار أيلول في الساحل السوري ذات وجهين، فهي من جهة دعمت الرطوبة المتاحة للأشجار وساعدت على نمو الثمار، ومن جهة أخرى جعلت اختيار يوم القطاف والتعامل مع الثمار بعد جمعها أكثر حساسية.
وتقدر وزارة الزراعة السورية المساحة المزروعة بالزيتون بنحو 677,725 هكتاراً تضم حوالي 101.5 مليون شجرة، بينها 90.7 مليون شجرة مثمرة، فيما تبلغ المساحة المزروعة في طرطوس نحو 75,685 هكتاراً وفي اللاذقية نحو 48,648 هكتاراً.
بشرى سعيد – الخبر



