مداخلات في مجلس الشعب تفتح جدلاً حول السماح ب “ضرب الطلاب” واتهامات ب”تأنيث التعليم”

أثارت مداخلات لأعضاء في مجلس الشعب خلال جلسة الاستماع إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، في دمشق الاثنين 14 أيلول، نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تناولت استخدام الضرب في المدارس، وارتفاع نسبة النساء في الكوادر التعليمية، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بواقع التعليم.
وعقد المجلس الجلسة الثالثة من الدورة الاستثنائية الأولى للدور التشريعي الأول، لمناقشة واقع قطاع التربية والتعليم، في وقت تستعد فيه المدارس لاستيعاب نحو 6 ملايين طالب خلال العام الدراسي الحالي، مقارنة بـ5.3 ملايين في العام الماضي و4.3 ملايين عام 2024، وفق ما عرضه “تركو” أمام المجلس.
وشملت مداخلات أعضاء المجلس ملفات المناهج، والتسرب المدرسي، وأوضاع المعلمين، وتأهيل المدارس والبنية التحتية، لكن حديث بعض الأعضاء عن العقاب الجسدي وحضور النساء في التعليم نقل جانباً من النقاش إلى قضايا اجتماعية وتربوية أثارت تفاعلاً واسعاً خارج قاعة المجلس.
الضرب في المدارس.. بين “التقنين” والرفض التربوي
دعا أحد أعضاء مجلس الشعب خلال الجلسة إلى إعادة النظر في المنع الكامل لضرب الطلاب، مقترحاً السماح باستخدام العقاب الجسدي ضمن ضوابط محددة.
واستند العضو في مداخلته إلى ما اعتبره اختلافاً بين النظريات التربوية حول العقاب الجسدي، كما استشهد بحديث نبوي يتعلق بتعليم الأطفال الصلاة وتأديبهم عليها عند بلوغ سن العاشرة.
وأكد العضو أنه لا يدعو إلى الضرب المبرح أو الاعتداء على الطلاب، وإنما إلى استخدامه بصورة “مقننة”، كما اعترض على معاقبة معلمة ظهرت في تسجيل مصور وهي تضرب أحد الطلاب، معتبراً أن الواقعة لا ينبغي أن تؤدي بالضرورة إلى فصلها من العمل.
ورد وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو برفض استخدام الضرب في المدارس، وقال إن “الضرب يروّض ولا يربي”، معتبراً أن لجوء المعلم إليه يعكس عدم الوصول إلى وسائل تربوية بديلة، واصفاً ذلك بأنه فشل لدى المعلم والمنظومة التعليمية.
وينسجم هذا الموقف مع تعميم سابق لوزارة التربية والتعليم يحظر الاعتداء الجسدي واللفظي على الطلاب تحت أي مبرر، ويدعو إلى استخدام وسائل تربوية بديلة لمعالجة السلوكيات المخالفة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العقاب الجسدي للأطفال لا يحقق فوائد إيجابية مثبتة، ويرتبط بزيادة المشكلات السلوكية والنفسية وبنتائج تعليمية أسوأ. ويشمل ذلك العقاب المستخدم في البيئة المدرسية، حيث يمكن أن تتحول وسيلة التأديب إلى عامل يؤثر في علاقة الطفل بالمدرسة والتعلم.
ولا يتعلق النقاش فقط بشدة الضرب أو الأدوات المستخدمة فيه، وإنما بمبدأ استخدام العنف الجسدي أصلًا كأداة تربوية، في مدارس تضم أطفالًا من خلفيات أسرية ودينية وثقافية مختلفة. ومن ثم فإن الاستناد إلى ممارسة دينية أو اجتهاد تربوي خاص لتحديد سياسة عامة داخل المدرسة يفتح نقاشًا حول الحدود بين القناعة الدينية الخاصة والقواعد الناظمة للمؤسسة التعليمية العامة.
“تأنيث التعليم”.. حين تصبح المعلمة موضوعًا للنقاش
مداخلة أخرى أثارت جدلاً واسعاً قدمها عضو اخر في مجلس الشعب، تحدث عن ارتفاع أعداد النساء في الكوادر التعليمية مقارنة بالرجال، ووصف الأمر بـ”تأنيث التعليم”.
وربط عضو المجلس بين كثرة المعلمات وما اعتبره تراجعًا في “هيبة” المدرسة وضعف شخصية بعض الطلاب، وقال إن الاعتماد الواسع على النساء في قطاع التربية أسهم، وفق رأيه، في تكوين “أجيال ضعيفة”، داعياً إلى إفساح مجال أكبر أمام الرجال للعمل في قطاعي التربية والتعليم.
وأثارت هذه المداخلة نقاشاً مختلفاً عن قضية الضرب، إذ لم يعد السؤال متعلقاً بأداة تربوية داخل الصف، وإنما بدور المرأة نفسها في المدرسة، وبما إذا كان جنس المعلم يمكن أن يكون عاملاً مفسراً لقوة شخصية الطالب أو ضعفه.
لكن واقع القطاع التعليمي الذي عرضه وزير التربية خلال الجلسة يشير إلى تحديات أكثر ارتباطاً بحجم الاحتياجات وتوزيع الكوادر والبنية التحتية.
وقال “تركو” إن الوزارة تواجه طلباً على المدارس يفوق قدرتها الحالية، مع افتتاح مدارس جديدة في عدد من المحافظات، كما تحدث عن إعادة أكثر من 14 ألف معلم مفصول إلى العمل، وعن مشروع لتثبيت المعلمين المفصولين وإحالته إلى مجلس الشعب.
وبذلك، فإن السؤال المتعلق بنسبة المعلمات لا ينفصل عن سؤال أكبر يتعلق بكيفية سد النقص في الكوادر وتوزيع المعلمين وفق الحاجة، بدل اختزال جودة التعليم في جنس العاملين فيه.
دخل المعلمة يتجاوز حدود المدرسة
أثار النقاش حول قضية “تأنيث التعليم” على مواقع التواصل الاجتماعي جانباً اقتصادياً للمداخلة، إذ أشار ناشطون ومستخدمون إلى أن المعلمة في آلاف الأسر السورية ليست مجرد موظفة في قطاع عام، وإنما مصدر دخل أساسي أو شريك في إعالة الأسرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر السورية، وفي وقت تعمل فيه وزارة التربية على سد احتياجات عدد كبير من المدارس والطلاب. وبالتالي فإن أي نقاش حول تقليص حضور النساء في مهنة التعليم أو استبدالهن بالرجال لا يتعلق بالمدرسة وحدها، بل يمكن أن ينعكس على دخل الأسر التي تعتمد على رواتب المعلمات.
كما أن خروج النساء من سوق العمل لا يعني تلقائياً تحسن مستوى التعليم أو زيادة حضور الرجال، فالعوامل التي تحدد جودة التعليم تشمل تأهيل المعلم، وظروف عمله، وعدد الطلاب في الصف، والإدارة المدرسية، والمناهج، ووسائل ضبط السلوك، والموارد المتاحة.
وتظهر بيانات الجلسة نفسها حجم التحدي أمام الوزارة؛ فعدد الطلاب المتوقع وصوله إلى نحو 6 ملايين، فيما تحدث الوزير عن نحو مليوني طفل خارج المدرسة لأسباب اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى مدارس ما زالت بحاجة إلى التأهيل.
مدرسة تعيد بناء علاقتها بالطلاب
أعادت المداخلات المثيرة للجدل النقاش إلى سؤال أوسع يتعلق بصورة المدرسة التي يريد المجتمع السوري بناءها بعد سنوات الحرب والانقسام، هل تستعيد المدرسة الانضباط بالعقاب الجسدي، أم من خلال تطوير أدوات المعلمين والإدارة الصفية؟
وفي المقابل، هل يمكن تفسير ضعف شخصية بعض الطلاب، إن وجد، بارتفاع نسبة المعلمات، أم أن المسألة تحتاج إلى النظر في ظروف الأطفال وأسرهم، والبيئة المدرسية، وطريقة إدارة الصف، والمناهج، والعنف الذي تعرض له كثير من الأطفال خلال سنوات الحرب؟
وتأتي هذه الأسئلة في وقت تحاول فيه وزارة التربية استيعاب أعداد متزايدة من الطلاب العائدين إلى المدارس، ومعالجة تفاوت المناهج والوثائق واللغة، إلى جانب إعادة تأهيل الأبنية التعليمية.
وأعلن تركو خلال الجلسة أن الوزارة طبعت 41 مليون كتاب للعام الحالي، مقابل 28 مليونًا في العام الماضي، كما تحدث عن خطة لإعادة الطلاب المتسربين إلى التعليم.
وبينما انتقلت مداخلات الضرب و”تأنيث التعليم” من قاعة مجلس الشعب إلى نقاش واسع على المنصات الرقمية، يبقى التحدي الأساسي أمام قطاع التربية مرتبطاً بقدرته على توفير مدارس آمنة وقادرة على استيعاب ملايين الأطفال، وتأمين كوادر مؤهلة، ومعالجة التسرب، وإعادة بناء الثقة بين الطالب والمعلم والأسرة.
وفي هذا السياق، لا تبدو الأسئلة المتعلقة بالعقاب أو جنس المعلم منفصلة عن عملية إعادة بناء التعليم، لكنها تحتاج إلى إجابات تستند إلى التربية والبيانات وحقوق الطفل واحتياجات الأسر، لا إلى تعميم تجربة أو تحميل فئة من العاملين مسؤولية مشكلات منظومة كاملة.
الخبر



