اخبار العالمالعناوين الرئيسية

“ حراك الصراصير” .. شباب في الهند ينتفضون ضد حكومة بلادهم؟

لم يعد وصف “الصراصير” في الهند مجرد إساءة أطلقت خلال جدل سياسي، بل تحول خلال أسابيع إلى عنوان لأوسع حراك شبابي يواجه حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي منذ سنوات.

وبدأت الحركة على منصات التواصل الاجتماعي تحت اسم Cockroach Janata Party (حزب الصراصير الشعبي) وتجاوزت حدود السخرية الرقمية لتقود احتجاجات واسعة تطالب بإصلاح نظام الامتحانات ومحاسبة المسؤولين، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل قضايا الحوكمة والمساءلة وفرص الشباب.

 

وجاءت الشرارة بعد أزمة تسريب أسئلة امتحان NEET، وهو الامتحان الوطني المؤهل لدراسة الطب في الهند، الذي تقدم إليه نحو مليوني طالب في أيار الماضي، قبل أن تقرر السلطات إلغاء نتائجه وإعادة إجرائه عقب ثبوت تسريب الأسئلة. وربطت تقارير إعلامية الأزمة بحالات انتحار لعدد من الطلاب، ما فاقم الغضب الشعبي تجاه وزارة التعليم.

 

من أين جاءت تسمية “الصراصير”؟

اكتسبت الحركة اسمها بعدما شبّه أحد القضاة الهنود الشباب العاطلين عن العمل بـ”الصراصير”، في تصريح أثار موجة غضب واسعة. وسرعان ما تبنّى ناشطون الوصف بصورة معاكسة، محوّلين الإهانة إلى رمز للتحدي، وأسس “أبيجيت ديبكي” حركة Cockroach Janta Party التي انطلقت بداية عبر الإنترنت قبل انتقالها إلى الشارع.

 

ويشير مراقبون إلى أن قلب الرموز السلبية إلى شعارات احتجاجية ليس جديداً في التاريخ السياسي، إلا أن الحالة الهندية تميزت بسرعة انتشارها، مدفوعة بثقافة “الميمز” ومقاطع الفيديو الساخرة التي يتقنها جيل الشباب.

أسباب تتجاوز تسريب الامتحانات

ورغم أن أزمة امتحانات الطب كانت الشرارة المباشرة، فإنها لم تكن السبب الوحيد للحراك. فالمحتجون يعتبرون أن القضية تعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع الثقة بالمؤسسات، وتكرار تسريب الامتحانات الوطنية، وارتفاع البطالة بين الشباب، وصعوبة الوصول إلى فرص العمل الحكومية التي تعتمد أساساً على نتائج تلك الاختبارات. كما طالبوا باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان، وإجراء إصلاحات شاملة لمنظومة الامتحانات وضمان نزاهتها، بحسب وكالات أنباء عالمية.

 

ويأتي ذلك في سياق ديموغرافي لافت، إذ تضم الهند واحدة من أكبر الكتل الشبابية في العالم، إذ تقل أعمار نحو نصف سكانها عن 30 عاماً، ما يجعل أي أزمة تمس التعليم أو التوظيف ذات أثر اجتماعي وسياسي واسع.

 

ومع انتقال الحركة إلى الشارع، لم تعتمد الأساليب الاحتجاجية التقليدية فقط، بل استخدمت السخرية والرسوم الساخرة والأزياء التنكرية والمقاطع القصيرة ومنشورات الإنترنت وسيلة للتعبئة، في تحول يراه محللون انعكاساً لطريقة تواصل جيل “Z” مع القضايا العامة.

 

كما ركز المحتجّون على استخدام المنصات الرقمية لبث رسائلهم، معتبرين أن الإعلام التقليدي لا يمنحهم مساحة كافية، بينما تحولت وسائل التواصل إلى المنصة الأساسية لتنظيم التحركات ونقل الوقائع مباشرة.

رد حكومي بين الحوار والتشدد

 

في المقابل، واجهت السلطات بعض التحركات بإجراءات أمنية، شملت استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق متظاهرين حاولوا الوصول إلى البرلمان في نيودلهي، وهو ما أدى إلى اتساع التعاطف مع الحركة داخلياً وخارجياً.

 

وبعد تصاعد الاحتجاجات، دخل ممثلون عن الحكومة في مفاوضات مع قادة الحركة، وأبدت استعدادها للاستجابة لبعض المطالب المتعلقة بإصلاح منظومة الامتحانات، لكنها لم توافق حتى الآن على المطلب الرئيسي المتمثل باستقالة وزير التعليم، ما أبقى الأزمة مفتوحة.

ردود فعل سياسية وإعلامية

وأثارت الحركة انقساماً في المشهد السياسي الهندي، إذ أيّدتها قوى معارضة اعتبرت أنها تعكس غضباً مشروعاً لدى الشباب، فيما رأت أطراف مقربة من الحكومة أن بعض الشعارات تجاوزت المطالب التعليمية إلى استهداف الحكومة سياسياً.

 

أما إعلامياً، فحظيت الحركة بتغطية واسعة من وكالات الأنباء والصحف الدولية، التي ركّزت على كونها واحدة من أبرز التحديات الشعبية التي واجهتها حكومة “مودي” خلال السنوات الأخيرة، ليس بسبب حجم الاحتجاجات فحسب، بل لأن أدواتها اعتمدت على السخرية والرموز الرقمية أكثر من الخطابات السياسية التقليدية.

إغلاق مفاجئ يوسّع الجدل

وفي تطور لافت أضاف بعداً جديداً للأزمة، تعرّض حساب الحركة على إنستغرام، الذي تجاوز 22 مليون متابع خلال أسابيع قليلة فقط، للإغلاق المفاجئ، في واقعة اعتبرها كثيرون ضربة مباشرة لأهم أدوات الحركة في التعبئة والتواصل. وسارع مؤسس الحركة “أبيجيت ديبكي” إلى تحميل رئيس الوزراء ناريندرا مودي مسؤولية ما جرى، في منشور له عبر منصة إكس، معتبراً أن الخطوة تأتي في سياق محاولات لإسكات صوت الشباب الرقمي بعدما عجزت الإجراءات الأمنية في الشارع عن كبح زخم الحركة.

ولم تصدر السلطات أو الشركة المالكة للمنصة تعليقاً رسمياً يوضح أسباب الإغلاق، ما فتح الباب أمام تكهنات وتساؤلات حول مدى استقلالية القرار عن الضغوط السياسية المتصاعدة، وسط دعوات من ناشطين لنقل الحملة إلى منصات بديلة لضمان استمرارية الحراك رقمياً.

 

يذكر أن الهند تُعد أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ويعتمد ملايين الطلاب سنوياً على الامتحانات الوطنية الموحدة للالتحاق بالجامعات أو الوظائف الحكومية، ما يجعل أي خلل في نزاهة هذه الاختبارات قضية تمس شريحة واسعة من المجتمع.

ويعد امتحان NEET من أكبر امتحانات القبول الجامعي عالمياً من حيث عدد المتقدمين، إذ يتنافس عبره ملايين الطلاب على مقاعد كليات الطب الحكومية والخاصة.

 

وبينما لا تزال المفاوضات بين الحكومة وقادة الحركة مستمرة، يرى مراقبون أن أهمية “حراك الصراصير” لا تكمن فقط في مطالبه المباشرة، بل في كونه كشف تحولاً في أساليب الاحتجاج لدى الشباب الهندي، حيث أصبحت السخرية الرقمية والمحتوى التفاعلي أدوات ضغط سياسي لا تقل تأثيراً عن التظاهرات التقليدية، في مشهد قد يترك بصمته على الحياة السياسية الهندية خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى