العناوين الرئيسيةمجتمع

بين الاحتفاء والتنميط.. كيف يتحول خطاب التضامن مع النساء في سوريا إلى إعادة إنتاج للتمييز؟

مع حلول الثامن من آذار في سوريا كل عام، تتكرر مشاهد مألوفة: بيانات رسمية تشيد بدور المرأة، حملات لمنظمات المجتمع المدني، تقارير إعلامية عن “قصص نجاح”، ومنشورات تضامن على منصات التواصل الاجتماعي.

 

ويكشف الرصد المنهجي لخطاب هذه الجهات خلال السنوات الست الماضية مفارقة لافتة، فبينما يفترض أن يشكل هذا اليوم مساحة للحديث عن حقوق النساء، يظهر في جزء كبير من خطاب الاحتفاء نفسه حضور واضح لقوالب لغوية وصورية تعيد إنتاج أنماط تقليدية في تقديم النساء وتكرّس هويّات بعيدا عن تكريس الحقوق.

 

الاحتفاء الموسمي بلغة ثابتة

 

في كل عام، قبل حلول الثامن من آذار، تنطلق على المواقع والمنصات السورية المختلفة، موجة من التغطيات والمواد التي تعتمد عبارات تمجيدية تقليدية مثل “المرأة رمز الصمود” أو “المرأة أساس المجتمع”. هذه الرسائل غالباً ما تصاحبها صور نمطية لنساء يحملن الورود أو شعارات تقدير، في قالب بصري ولغوي يتكرر تقريباً كل سنة ويعتمد على رموز مألوفة أكثر من كونه يفتح نقاشا جديدا أو جدّيا.

ويُظهر تحليل بسيط لمحتوى عيّنة من العناوين والتقارير المنشورة في وسائل إعلام سورية بسياق يوم المرأة بين 2019 و2025، أن أكثر من 60 ٪ من المواد ركزت على مفردات مثل “الصمود” و“التضحية” و“التحدي”، مقابل نسبة ضئيلة جداً من المواد التي تناولت مفاهيم مرتبطة بالسياسات العامة أو الحقوق القانونية والاقتصادية.

وتشكل هذه اللغة شبه الثابتة إطاراً يستدعي الأسئلة حول ما إذا كان الخطاب الاحتفالي يتجاوز الأطر النمطية إلى نقاشات أعمق.

 

سردية “المرأة البطلة” والإنجاز الاستثنائي

 

أحد أبرز الأنماط في التغطيات الإعلامية حول النساء هو سردية “المرأة التي تتحدى الظروف”. غالباً ما يقدم الإعلام نماذج لنساء نجحن في العمل أو التعليم أو إعالة أسرهن، مع عناوين من نوع “امرأة تتحدى الصعوبات” أو “قصة نجاح ملهمة”. ورغم أهمية إبراز هذه التجارب، فإن طريقة السرد في كثير من الأحيان تقدم الإنجاز كحالة استثنائية بدلاً من أن تعكس واقعاً مجتمعياً يتضمن مشاركة طبيعية للنساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

 

وفي هذا السياق ترى الناشطة المدنية المهتمة بقضايا الجندر وممثلة مجلس المرأة السورية في أوروبا مريانا الحنش أن التركيز الإعلامي على القصص الفردية بات أحد أبرز ملامح الخطاب المرتبط بيوم المرأة. وتقول لموقع تلفزيون الخبر: “في كل عام احتفالاً بيوم المرأة العالمي وحملة ال16 يوم يقوم الإعلام بإبراز عدة نماذج من قصص نجاح لنساء بشكل فردي ويتم تحويله لتأثير حقيقي وينسب للسياسة او الاقتصاد او للبعد الاجتماعي الإنساني، وهذا يضعنا امام تحد قاس لمشاركة المرأة الفعلية في كل المفاصل”.

 

ومن أبرز تلك التحديات بحسب “الحنش”، “ماتبثه الوسائل الإعلامية التي تركز على قصص النساء وإنجازاتهن الصغيرة او الكبيرة بدلا من ان تحلل العوائق البنيوية كضعف تمثيل النساء في مراكز صنع القرار والسياسات العامة، ومحدودية وصول النساء إلى الفرص والموارد الاقتصادية وكذلك الفرق في الأجور بين النساء والرجال”.

 

ولا يعود هذا النمط اللغوي فقط إلى اختيار عناوين جذابة، بل إلى تفسير بنيوي أعمق اثرا، ينتج عن مزيج من عوامل، الثقافة الاجتماعية التي تربط دور المرأة غالباً بالأمومة والتضحية، بيئة إعلامية تفضّل القصص الفردية سهلة الهضم للجمهور، وهياكل إعلامية تفتقر إلى خبرات تحليلية متخصصة في قضايا الجندر.

 

المرأة بوصفها الضحية.. وتكرار الصورة

 

وتركز تقارير إعلامية أخرى تناول زاوية مختلفة، حيث تسلط الضوء على معاناة النساء في سياق الحرب والأزمات الاقتصادية في سوريا، وتظهر المواد قصص الأرامل أو اللواتي تحملن مسؤولية إعالة أسرهن بعد فقدان المعيل.

ويسلط هذا النوع من التغطية الضوء على جوانب قائمة وواقعية من حياة الكثير من النساء، لكنه يسهم في الوقت نفسه في تكريس صورة متكررة للمرأة بوصفها الطرف الأكثر هشاشة في المجتمع، دون أن يقود إلى نقاشات حول آليات الدعم المؤسسي أو السياسات القانونية المطلوبة.

 

التمجيد التقليدي ولغة الأمومة

 

يتجاوز الخطاب الإعلامي مجرد القصص الفردية، ليصل أحياناً إلى لغة احتفالية تمجّد الأدوار التقليدية، “الأم” أو “صانعة الأجيال” أو “حاضنة المجتمع”. هذه اللغة، رغم تقديرها للاعتبارات الثقافية، تصبح محور الهوية النسائية في الخطاب العام بينما يغيب الحديث عن حضور النساء في مجالات أخرى مثل الإدارة، الاقتصاد، والابتكار.

 

الإعلام بين السرعة والقوالب الجاهزة

 

تعتمد وسائل الإعلام في هذا السياق غالباً على تقارير قصيرة أو مقابلات مع نساء ناجحات، أو مواد إنسانية تبرز قصصاً شخصية، في ظل المنافسة على التفاعل السريع.

 

ويؤدي اعتماد هذا النوع من التغطية على عناوين جاهزة مثل “قصة ملهمة” أو “امرأة تتحدى الظروف”، إلى خلق خطاب إعلامي متشابه بين منصة وأخرى، ويحدّ من تنوع الزوايا المطروحة.

 

وتؤكد الدراسات المنشورة سابقا حول التمثيل الإعلامي للنساء، أن الإعلام في سياق النزاع غالباً ما يصوّر النساء من خلال إطارات محدودة تركز على الضعف أو المعاناة بدلاً من الفاعلية والمشاركة، مما يعزز الصور النمطية ويهمّش حضورهن كصانعات قرار ومصادر موضوعية في التغطيات.

 

دور منظمات المجتمع المدني

 

الحملات التي تطلقها منظمات المجتمع المدني تهدف غالباً إلى إبراز إنجازات النساء أو الدعوة إلى تمكينهن، لكن كثيراً منها يعتمد على شعارات عامة وصور رمزية، بينما يقل حضور النقاشات المرتبطة بالسياسات العامة مثل فرص العمل أو المشاركة في صنع القرار. كما يلاحظ تركيز عدد من هذه المبادرات على قصص فردية مؤثرة، من دون ربطها بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الأوسع.

 

وفي هذا الإطار تشير “الحنش” إلى أن الطابع الموسمي لطرح قضايا النساء يمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق المساواة، موضحة: “طرح قضايا النساء بشكل موسمي ومناسباتي يجعل قضية المساواة العادلة تتحول لحدث رمزي يمر مرور الكرام عوضا عن ان تكون قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية لها حضورها الدائم”.

 

واقع اجتماعي أكثر تعقيداً

 

تشير التحولات التي شهدها المجتمع السوري خلال السنوات الماضية إلى تغيرات ملموسة في أدوار النساء، حيث دفعت الحرب والأزمات الاقتصادية العديد منهن إلى دخول سوق العمل أو تحمل مسؤوليات اقتصادية داخل الأسرة. وظهرت مبادرات نسائية في مجالات متعددة، من المشاريع الصغيرة إلى العمل الأهلي والخدمات، إضافة إلى حضور متزايد في قطاعات التعليم والصحة.

 

لكن هذه التحولات لا تنعكس بصورة كافية في الخطاب الإعلامي المرتبط بالثامن من آذار، الذي يميل في كثير من الأحيان إلى إعادة استخدام نفس القوالب اللغوية.

 

مفارقة الخطاب التضامني.. غضّ النظر عن السلطة

 

تكشف مراجعة هذا الخطاب مفارقة واضحة، فبينما تتوسع دائرة التضامن اللفظي مع النساء في يوم المرأة، يظل الحديث عن السلطة كعنصر مؤثر في تكوين الفرص والقيود غائباً أو هامشياً في كثير من التغطيات.

 

وتوضح مريانا الحنش في هذا السياق أن تغيير طريقة تناول الإعلام لقضايا المساواة يمكن أن يحولها إلى عنصر ضغط حقيقي على السياسات العامة، قائلة: “وكذلك لا تقوم وسائل الإعلام وخاصة الرسمية منها بطرح قضايا النساء بشكل منطقي مبني على دراسات بحثية وبيانات توضح الفجوة في مجالات التمثيل السياسي والاقتصادي، مما يحجب تحول هذه القضايا لأوراق ضغط حقيقية على الحكومات والمؤسسات.”

 

 

وتتابع الناشطة “وعندما يغير الإعلام طريقة تعاطيه مع المساواة كقضية عامة لا مجرد موضوع موسمي ويتحول من التغطية والسردية الشكلية إلى تغطية ضاغطة وداعمة وطرح مواد صحفية وبرامج تتضمن تساؤلات واضحة حول نسب تمثيل النساء في المجالس المحلية ومجلس الشعب والإدارات العامة والوزارات، والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني
وماهي الإجراءات المتخذة للضمان تكافؤ الفرص”.

 

وترى “الحنش” أن هذا التحول بات أكثر إلحاحاً في ظل المتغيرات الاجتماعية والسياسية الراهنة، مضيفة: “اليوم نحن امام تحد اكبر بكثير من السابق في ظل تنامي الذكورية وزيادة جلية في تحييد النساء عن المشهد وتهميش دورهن في الحياة العامة وعلى وسائل الاعلام، نجد انه من الواجب مطالبة وسائل الاعلام ان تأخذ دورها وتغير خطابها ليكون قوة ضغط حقيقية تدعم حضور النساء ومشاركتهن الفعلية قبل ان يتم القضاء على كل ماانجزته الحركات النسوية والنساء للوصول إلى المساواة في الحقوق والواجبات والعدالة”.

 

الجدير بالذكر ان المفارقة بين خطاب الإعلام الذي يميل للتمجيد التقليدي وسرديات البطولية الاستثنائية، قد تضيع الصورة الأوسع للنساء بوصفهن فاعلات طبيعيات في المجتمع، وتغيب النقاشات المؤثرة حول الحقوق والسياسات التي يمكن أن تقود إلى تغيير حقيقي وعميق.

تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى