الشيخ مقصود والاشرفية إلى الواجهة من جديد .. الوجع السوري

الشيخ مقصود والاشرفية إلى الواجهة من جديد .. الوجع السوري
عادت حلب، سيدة المدن السورية، وقلعتها الاقتصادية سابقاً، إلى الواجهة الإعلامية مع مشاهد الاليات العسكرية المنتشرة في شوارعها، وقذائف الموت العشوائية التي تتساقط على سكانها، والنزوح، التي ظنت المدينة أنها ودعتها مع سقوط نظام بشار الأسد، وفراره خارج البلاد في الشهر الأخير من عام 2024 .
العودة كانت من بوابة حيي “الشيخ مقصود” و”الأشرفية” والمواجهة العسكرية بين قوات “سوريا الديمقراطية” المتمركزة فيها، وقوات وزارة الدفاع السورية، بعد رفض “قسد” الانصياع لطلب الحكومة السورية، والانسحاب من الحيين عسكرياً.
وبعيداً عن التفاصيل الميدانية التفصيلية الحالية، يحتاج المتابع لقراءة أوسع حول هذين الحيين كجزء من مدينة حلب، والذين تصدرا خلال الأيام الماضية نشرات الأخبار العربية والأجنبية، ووسائل التواصل، التي غدت الحرب السورية خبزاً يومياً تقتات عليه.
ماذا تعرف عن حيي الشيخ مقصود والأشرفية؟
يقع حيّ الشيخ مقصود في الجهة الشمالية من مدينة حلب، على تلال تطل على المدينة، وهو أحد أقدم أحياء حلب في هذا الجزء من المدينة، جرى تسميته نسبةً إلى شيخ دين كوردي يُدعى “الشيخ مقصود”، كان له تأثير روحي في المنطقة، ومن هنا ارتبط الاسم بالحي.
إلى الجنوب الغربي من الحي يقع حي الأشرفية، ويعتبر من الأحياء الحلبية الحيوية، ويُقدّر عدد سكان الحيين بمئات الآلاف، في ظل غياب إحصاء رسمي.
ويشكل السوريون الكورد غالبية سكان الشيخ مقصود، حيث لا وجود لإحصاء دقيق، لكن تقدر نسبتهم بأكثر من 90 بالمائة، بينما يشكلون نحو 50 بالمائة، أو أكثر قليلاً ، من حي الأشرفية.
تاريخ السيطرة على مدينة حلب (2011–اليوم)
1. البداية والمرحلة الأولى (2011–2012)
مع بدء الاحتجاجات ضدّ الحكومة السورية في 2011، تحوّلت حلب تدريجيًا إلى ساحة مواجهة بين قوات الحكومة السورية وفصائل المعارضة المسلحة.
وفي 2012 بدأت معارك كبيرة في أحياء المدينة، حيث سيطرت فصائل المعارضة على أجزاء واسعة من الأحياء الشرقية بقيادة عبد القادر صالح ( حجي مارع) مؤسس “لواء التوحيد” والقائد العسكري له بينما ظلّت أحياء غربية تحت نفوذ الحكومة السورية. هذه المواجهات عرفت لاحقًا بـ “معركة حلب الكبرى”.
2. المرحلة الثانية (2012–2016)
شهدت المدينة في هذه المرحلة انقسامًا جغرافيًا فكان:
غرب المدينة: تحت سيطرة القوات الحكومية.
شرق المدينة: تحت سيطرة فصائل المعارضة.
بعض المناطق يسيطر عليها تنظيمات متعددة منها قوات سورية الديمقراطية.
في نهاية 2016 نجحت قوات الحكومة، بدعم من حلفائها، في استعادة أغلب أحياء حلب بعد حصار طويل لما كان يُعرف بـ الأحياء الشرقية وخروج الفصائل منها.
3. المرحلة الثالثة: استعادة القوات الحكومية لحلب (2016–2024)
بعد انتهاء المعارك الكبرى، بقيت حلب تحت سيطرة القوات الحكومية، لكن التوترات الأمنية، الانفجارات، السيطرة الإدارية، والفصائل المحلية شكّلت واقعًا معقدًا في المدينة.
بشكل عام، أعادت الحكومة السيطرة الإدارية على أغلب المدينة باستثناء بؤر صغيرة أو توترات محلية بين مكوّنات اجتماعية مختلفة.
ماذا عن حيِّي الشيخ مقصود والأشرفية؟
تمتع هذان الحيّان بخصوصية تاريخية وميدانية مختلفة عن بقية الأحياء بسبب التواجد الكوردي المؤثر فيها، ولم يخضعا للتحكم المباشر من قبل الحكومة السورية طوال الحرب كما حدث في بقية المدينة بعد 2016؛ بل ظلّت لهما إدارة محلية كوردية غالبًا مستقلة ترتبط بقوات سوريا الديمقراطية.
1. بداية الوجود الكوردي في النزاع (2012–2014)
منذ منتصف عام 2012 مع تصاعد المواجهات في حلب، دخلت مجموعات كوردية محلية (تنظيمات مرتبطة لاحقًا بـ YPG / قوات سوريا الديمقراطية) في معارك دفاعية عن الحيّين، خصوصاً حي الشيخ مقصود.
وتبنّى بعض الفصائل الكردية الحيّين كـ مكان محايد أو موضع دفاع، في سياق تعرضهما لقصف من كلا الطرفين (الحكومة والمعارضة في بعض الفترات).
2. صعود النفوذ الكوردي ومرحلة 2015–2016
بحلول 2015، ومع توسّع تنظيم قوات سوريا الديمقراطية وتماسكها في مناطق شمال سوريا، أصبحت الأحياء ذات الغالبية الكوردية تحت نفوذها الفعلي.
حتى عند استعادة الحكومة لبقية أحياء حلب في 2016، بقي حيّا الشيخ مقصود والأشرفية تحت إدارة كردية محلية بقيادة “الأسايش” وهو جهاز أمني كردي مرتبط ب”قسد”.
3. التسويات والاتفاقات المؤقتة (2018–2024)
على مدى سنوات الحرب اللاحقة، ظلّت تلك الأحياء في وضع شبه استقلالي إداريًا وأمنيًا، مع علاقات توتر وتهدئة متقطعة بين الإدارة المحلية والسلطات الحكومية، وأحيانًا مع فصائل محلية.
بقيت المسألة في الحيين مختلفة عن واقع الحال في بقية المدينة لأنه لم يكن هناك حصار كامل أو سيطرة مباشرة للحكومة أو للمعارضة على هذين الحيين مثل باقي الأحياء، بل إدارة محلية كوردية مستقلة فعليًا.
4. مرحلة ما بعد 2024: سقوط الأسد والمفاوضات
في أواخر 2024 وسقوط نظام بشار الأسد وانسحاب قواته من عدة مناطق، توسّعت أزمة الحيّين بشكل جديد:
أ. تشرين الثاني وكانون الأول 2024 – معركة حلب الجديدة
في نهاية تشرين الثاني 2024 شنت فصائل يقودها هيئة تحرير الشام هجومًا واسعًا في مدينة حلب أسفر عن السيطرة على معظمها، بينما ظلّت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بأيدي الكورد (قسد) ولم تُسقطها الفصائل.
ب. اتفاقات وهدن بين الطرفين 2024–2025
بعد ذلك، وفي كانون الأول2024 ونيسان2025، وقّع ممثلون عن “قسد” والحكومة السورية الحالية اتفاقيات تنصّ على أن قيادة “الأسايش” المحلية تبقى في الحيّين بينما تبدأ عملية تنسيق مع السلطات المركزية، مع بعض الوجود الرمزي للأمن الداخلي السوري في الطرقات.
في نيسان 2025 انسحب مقاتلو “قسد” الأساسيون إلى مناطقهم شرق الفرات، بينما بقيت قوّات الأمن الداخلي الكوردي (الأسايش) في إدارة الشؤون الأمنية المحلية.
5. التصعيد المتجدّد في 2025–كانون الثاني 2026
في كانون الأول 2025، اندلعت اشتباكات بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في الحيّين، في واحدة من أعنف التوترات منذ سنوات، أدت إلى:
قتال مكثّف لعدّة أيام ثم تهدئة مؤقتة بعد وقف إطلاق نار.
بعدها، في الثامن من شهر كانون الثاني الجاري 2026 اندلعت جولة جديدة من القتال بين قوات وزارة الدفاع التابعة للحكومة وقوات كوردية محلية في الشيخ مقصود والأشرفية، مما أجبر المدنيين على النزوح وأثار أزمة إنسانية حادة.
وفي 9 كانون الثاني 2026 أعلنت الحكومة وقفًا لإطلاق النار مع شروط انسحاب أو إعادة تموضع للمقاتلين الكورد تجاه شمال-شرق سوريا، لكن المجالس الكوردية المحلية رفضت الدعوات للإخلاء واعتبرتها تسليمًا، وعبّرت عن التزامها بالبقاء والدفاع بالقُوة (حتى لحظة إعداد هذه المادة).
لماذا صمد حيا الشيخ مقصود والأشرفية على مدى الحرب السورية؟
يبدو السؤال بسيطاً، لكنه ينضوي على أكثر من جانب، فمن الناحية الجغرافية، يعد الحيان مرتفعان عما حولهما نسبياً، ومداخلهما محدودة، مما يسهل عملية الدفاع عنهما.
ومن الناحية الاجتماعية، يعتبر الحيان من الأحياء المتجانسة سكانياً، والمعبأة أيديولوجياً بشكل نسبي، وخوف وجودي حقيقي من التهجير.
أما سياسياً فكل طرف كان يخشى من كسر “التوازن” الذي تتدخل به جهات إقليمية ودولية.
كما أن سقوط الحيين كان سيعتبر رسالة سلبية لباقي المكونات الأخرى، ونهاية لأي حديث عن شراكة أو تعددية، من الناحية الرمزية
كلمة أخيرة..
على الرغم من أن الحيين يُعرفان اليوم بوجود كثافة كوردية، إلا أنهما لم يكونا دائماً موطنًا حصريًا للكورد تاريخياً، بل تطلب الأمر عقودًا من الهجرة والتوسع الحضري حتى تشكلت التركيبة الحالية.
ولا يزال هناك عائلات عربية وأقليات أخرى تعيش في الأشرفية، وهو حي أكثر تنوعًا من الشيخ مقصود الذي يعتبره كثير من المصادر أكثر كوردية من حيث النمط السكاني.
لم تعرف التركيبة السورية بكل أطيافها، وخاصة في حلب، تقسيماً على مستوى الأديان أو الطوائف أو القوميات، فسكان الشيخ مقصود والأشرفية، مواطنون سوريون،لا يمكن تمييز من تراه في الشارع، أو من تشتري منه أو تبيعه، بين العربي والكوردي، فالعلاقات الاجتماعية والإنسانية متشابكة حد التماهي بين كل السوريين، سكان هذه الأحياء.
تلفزيون الخبر



