كاسة شاي

“من زمان منحب الأجانب” ..تعرّف على حيلة العامل الدمشقي للمساهمة في ترميم الجامع الأموي

في المصائب والنائبات يجتمع الناس وتتوحد مشاعرهم، ويحفل التاريخ الذي يحرص على تدوين المآسي أكثر من الأفراح، بقصص حرائق ضخمة أو مآسي حلت بالناس كالأوبئة والزلازل وينقل لنا ما فعلوه أو مامروا به.

والباحث في طيات هذه القصص سيكتشف خفايا وتفاصيل حدثت حينها، تعطي للقصة أبعاداً أكثر من كونها حدثاً عابراً، فتدل على ذكاء أو دهاء أو تصرف خارج عن المألوف ربما تكون فرضته الظروف.

ومن أمثلة هذه الحوادث، قصة حريق شب في الجامع الأموي بدمشق سنة 1893م، وقد تكون القصة معروفة ومألوفة لدى الكثيرين، غير أن قصة ترميم الجامع كان فيها تفصيل لم يرد ذكره كثيراً، وبقي مجهولاً لدى الغالبية.

وتقول الحكاية: إنه “في أحد أيام الصيف من عام ١٨٩٣م، شب حريق هائل في الجامع الأموي بدمشق، والتهمت النار حرم الجامع وانهار السقف بالكامل وكانت الخسائر كبيرة جداً”.

ووحدت هذه الكارثة، حينها، قلوب الدمشقيين من أغنياء وفقراء، فقاموا بتأليف لجنة في كل حي لجمع المال لإعادة إعمار الجامع، فكان الغني يجود بماله، والفنان بصنعته والفقير بعمله.

وقررت اللجنة المشرفة على الترميم والبناء استبدال أعمدة الجامع بأعمدة أخرى ضخمة حجرية حتى لا تكون عرضة للحريق، وكانت مثل هذه الأعمدة الضخمة متوافرة آنذاك في قرية المزة القريبة من دمشق، ولكن يتعذر نقلها إلى الجامع الأموي لضخامتها وعدم توافر وسيلة لنقلها.

وهنا لمعت في ذهن أحد العاملين في ترميم الجامع فكرة تصنيع عربة خاصة تجرها الثيران، يتم بواسطتها نقل الأحجار إلى الجامع، وكان اسم هذا العامل عبد الغني الحموي.

وأورد عدد من مؤرخي دمشق وصف تلك الواقعة، ومنهم جمال الدين القاسمي ومختار العظم وعلي الطنطاوي الذي يقول في كتابه عن الجامع الأموي: “هنا تظهر عظمة هذا الرجل الذي لم يكن مهندساً ولم يكن متعلماً”.

حيث عرض عليهم أن يصنع عربة مستطيلة منخفضة تجرَها الثيران، لها ملاقط من تحتها فهي تلتقط العمود، وتحمله من المزة إلى المسجد، وشكَوا في ذلك، فأخَبرهم أنه رأى مثلها في مقاطع الحجارة في إيطاليا، فوافقوا على صنعها.

وصنعت العربة بإرشاداته، وصارت تحمل العمود الهائل من الأعمدة القائمة اليوم في الأموي وتأتي به يحف بها الناس والشباب بالعراضات والأهازيج.

وحين تم الانتهاء من نقل الأعمدة المطلوبة للجامع، أقسم عبد الغني الحموي، بأنه طوال حياته لم يرَ مثل هذه العربة، ولم يسافر قط إلى ايطاليا، واضطر لهذه الحيلة، لتنفيذ اقتراحه بتصميم العربة الضخمة.

وعمل في بناء الجامع أكثر من خمسمائة عامل يومياً، لمدة تسع سنوات حيث انتهى العمل في إعادة البناء عام 1902.

ولم تزل هذه العربة، موجودة في ساحة الجامع الأموي شاهدة على عبقرية العامل عبد الغني الحموي، ودليلاً على ان شعوب الشرق اعتادت من زمن ليس بقليل أن تثق بخبرة الأجنبي أكثر من إبداع أبناء بلدها.

تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق