كاسة شاي

بين “التماري” الدمشقيّة وَ”الكريب” الفرنسية.. تاريخٌ لم يغيّب “كعكة” الزقاق والشتاء

على هيئة لوحة لامعة يتفنن فتحي، رجلٌ أربعيني دمشقي، تحت بلور عربته برسم وتزيين رقاقة من العجين بطبقات من الدبس والطحينية والسمسم والسكر الناعم، بينما يقف رجلٌ قبالته منتظراً وجبة منتصف النهار، التي أصبح بإمكانه تناولها بحلول بدايات برودة تشرين، وفق مايراه مناسباً له.

البائع “فتحي” الذي لا يحتاج لممارسة مهنته التي كبر عليها سوى لعربته الهوائية التي أعدها لتناسب طبيعة عمله من خلال تزويدها بالصندوق البلوري الذي يعلوه رف ليرتب عليه علب مكونات “خلطته السحرية” يرى في “التماري كعك” صورة أبيه وجده التي ورث صنع هذه الحلوى وبيعها عنهم، وفق ما قصّ لتلفزيون الخبر.

ويضيف: “تعلمت الصنعة من أبي الذي تعلمها من جدي و من شيوخ الكار الشواغرة، (نسبة إلى حي الشاغور الدمشقي)، فهذا الحي مشهور بصناعة الحلوى والمأكولات الشعبية، وعملت بها”، موضحاً أن “رأسمال هذه المهنة دراجة هوائية وصندوق زجاجي، أما موادها فهي السمسم والسكر والطحينة والدبس ومكونات “العَجنِة” البسيطة”.

و يروي بائع التماري الدمشقي لتلفزيون الخبر أنه “منذ حوالي المئة عام عرفت عائلته هذه الحلوى التي ابتكرها الدمشقيون من مواد بسيطة متوفرة في منازلهم ليصنعوا منها وجبة تجمع اللذة والفوائد وتمد الجسم بالطاقة اسمها “تماري كعك”.

وعبر مسيرة تطورها وقبل أن تعود للرواج في السنوات الأخيرة اندثرت “التماري” لتصبح أكلة تراثية ليس إلا، يقتصر ذكرها على قصص الأجداد، وفق ما روى البائع.

ويوضح فتحي أن “انتشار الحلويات الغربية ورواجها ساهم باندثار التماري لسنوات، لتركن عرباتها جانباً ويتخذ صناعها مهناً أخرى.

بينما لم تغب محاولات تطويرها في الوقت الذي دخلت فيه مسميات جديدة إلى قوائم الحلوى “كالكريب” الذي يوحي للوهلة الأولى بأنه تماري “محدّثة” تسارع الفتيات على طلبه كوجبة “مودرن” كما وصفها

و تؤكد ياسمين، فتاة جامعية، ذلك الوصف حين قالت لتلفزيون الخبر إن “جدتها أكلت “التماري” بينما هي تأكل “الكريب”، فهي لا تحب أن يُنظَر لها على أنها “دقة قديمة”، على حد وصفها.

لكن، و رغم الحداثة والمسميات الجديدة التي لايمكن إنكار لذتها كحلوى، عادت التماري بحلة جديدة أيضاً، يشرح البائع “لم يكلف صناع التماري شيء إضافة الموز لها، بل ساهم في رواجها أكثر، ولم يقتصر تطويرها على الموز بل كان للشوكولا دوراً أيضاً في ذلك”.

بينما يرفض كثير من محبي “التماري” تلك الإضافات ويفضلونها “بتراثيتها” فهنا تكمن لذتها، وفقاً للرجل الستيني، أبو العبد، الذي اعتاد شراءها منذ كان طفلاً “بنصف فرنك”، مصروفه الشخصي، في طريق عودته من المدرسة.

وعن مايربط “التماري كعك” بفصل الشتاء، يشير البائع إلى أن “الزبائن يقبلون عليها أكثر شتاءً نظراً لمكوناتها التي تمد الجسم بالطاقة والحرارة”، مردفاً “لكن ذلك لا يمنع من يشتهيها من تناولها كوجبة تسد الجوع في منتصف يوم عمل صيفي “تسكيتة جوع”، على حد قوله.

اليوم بعد أكثر من مئة عام على ابتكار هذه الحلوى لايمكن أن يغيب وجود عربات “التماري كعك” بحلتيها الجديدة والقديمة، عن أحياء دمشق، كما عمد كثير من محترفيي صنعها إلى فتح محال خاصة بها بينما ركنوا العربة في أحد أركانه ليروي قصة البداية.

روان السيد – تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق
ReachEffect Verification
class="fb-like" data-share="true" data-width="450" data-show-faces="true">