كاسة شاي

بين الأسطورة والرمزية والجمال ..”شقائق النعمان” تنقلنا من الشتاء إلى الربيع

فوق غلالة خضراء شفافة، تطالعك على طول الطريق بين المحافظات السورية، أمواج حمراء من شقائق النعمان الجميلة، معلنة رحيل الشتاء وقدوم الربيع، من خلال عمرها القصير الذي أحياه مطر مدرار عمّ أرجاء سوريا هذا العام.

فإذا دفعك الفضول لاستكشاف سر هذه الزهرة، ستجد أنه لا تملك زهرةٌ في تراث العرب وأدبهم، قصصًا وأساطير عن جمالها وقيمتها وأصلها، كما تملك شقائق النعمان، فهي زهرة الشهداء والأساطير والحب والجمال، نجد كل هذه المعاني في تراث بلاد الشام كما في أرضه.

وشقائق النعمان، التي تسمى أيضاً ب”الحنون”، من النباتات التي تنبت نهاية فصل الشتاء إلى أول فصل الربيع، مُؤذنة ببدء موسم جديد، وبدء دورةٍ جديدةٍ من الحياة في فصول السنة، منذرة الفلاحين بانتهاء موسم بذار الحبوب، ويعبر عن ذلك بالمثل “طلع النرجس والحنون ضب بذارك يا مجنون”.

ولشقائق النعمان ساق رفيع غَض مُنتصب، لها عدة ألوانٍ كالزهري والقرنفلي والأرجواني والأبيض والأصفر، وأشهرها الأحمر القاني، الذي كان ملهماً للشعراء والأدباء.

ولا تعيش شقائق النعمان مُنفردة، إذ توصف بأنها جماعية العيش والمنبت، وتتكاثر عن طريق البذور التي تخفيها تحت لحائها، فتكون في تجمعاتٍ كبيرةٍ، وعلى مسافاتٍ واسعةٍ، وخاصة في الأرض البور المشبعة بالمطر.

غير أن هذه النبتة قصيرة العُمر لأنها رقيقة واهنة الساق، سُرعان ما تهزمها شمس الربيع الدافئة، فيقدر عمرها بين أسبوع وأسبوعين، وتظهر بشكل خاص في سوريا وفلسطين والأردن.

وزهرتها تشبه زهرة الرمان، ومن أسمائها حنون، ودحنون، وشقائق النعمان، وزهرة النساء، وزهرة الدم، أمّا اسمها العلمي فهو “الشقّار الإكليلي”. ولهذه الزهرة فوائد ذكرها حتى الطب العربي القديم.

وترمز شقائق النعمان لدى الفلسطينيين والسوريين إلى الشهداء، وتعبر النساء الريفيات عن هذا الإعتقاد بقولهن إن “ظهورها بغزارة هذا العام يعود إلى كثرة الشهداء في سوريا”.

وبسبب هذه الرمزية، لم تنجُ حتى هذه الزهرة الرقيقة من محاولة الاحتلال “الإسرائيلي” سرقتها واعتبارها “زهرة إسرائيل الوطنية”، لتضاف إلى قائمة غير قصيرة من إرث المنطقة الذي يحاول العدو نسبته لنفسه.

وفي تسميتها، قيل: إن “العرب الأوائل هُم أول من اهتم بهذه النبتة، ونسبوا للنعمان بن المنذر ملك الحيرة قصصاً حول ذلك، منها تنبُهُه لجمالها وأمره بحمايتها وزراعتها حول قصره المعروف باسم الخورنق، فهي الزهرة التي أحبها الملك وحماها فارتبطت به.

وقال بعضهم، بل نبتت على قبر النعمان بن المنذر بعد مقتله على يد ملك الفرس، بسبب رفضه تزويج ابنته غصباً، وقيل في الروايات الشعبية بأن شقيقات النعمان لما جلسن باكياتٍ على قبره حُزنًا على مقتله؛ نبتت هذه الزهرة الحمراء القانية فَنُسبت لهن، “شقائق النعمان”، وذلك لفرط حُبهن له وحزنهن عليه.

وأعطى البعض للون الزهرة الأحمر القاني بُعداً أسطورياً، كحكاية حُب أدونيس وعشتار، كما في الميثيولوجيا الفينيقية، الذي قتله خنزيرٌ بريٌ اعترضه في طريقه، أو أسطورة دماء إله الخصب والنماء “بعل”، ودمه المتناثر بسبب جرحه، كما في الأسطورة المنسوبة للكنعانيين.

وورد في الأساطير البابلية وغيرها من الحضارات أيضًا ما يُشبه ذلك، ويجعلها زهرة دماء المحبوبة المُتناثرة على الأرض، أو دماء العشيق المغدور.

وللغة العربية دور في اسم هذه الزهرة الحمراء، فقيل إن كلمة “النعمان” اسم من أسماء الدّم كما في العربية، ولذا فإن هذه الزهرة شقيقة الدّم في اللون. ومثله ما يُقال “النساء شقائق الرجال”.

وقيل بأن أصل كلمة النعمان في العربية هي “النحمان”، وتعني القائم من الموت، وفي السريانية الفعل “نحم” يعني بُعث حيًا، والإبدال من الحاء إلى العين كثيرٌ في العربية القديمة والحديثة.

لشقائق النعمان غيرالمتفتحة ذكريات لا تغيب عن أبناء الريف السوري، فللون الشقيقة المختبئة تحت الوريقات الخضراء دلالة على حظ الشخص الذي يقوم بفتحها، فإن كانت بيضاء فحظ صاحبها سيء، وإن كانت وردية فحظه متوسط، وصاحب الحظ الأفضل هو من يجد اللون الأحمر الجميل بانتظاره.

تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق