في ظل الوضع الاقتصادي.. كيف هندس السوريون حلولهم لمشاهدة مباريات المونديال؟

“يعتقد البعض أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، لكنني أؤكد لكم أنها أهم بكثير من ذلك”. هذه ليست عبارة أطلقها المدرب الأسطوري لنادي ليفربول بيل شانكلي، بل هي اختصار لكيف يرى عشّاق كرة القدم هذه اللعبة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الوجود والوجدان الإنساني.
كرة القدم سلاح البسطاء والفقراء الأسبوعي من شمال الكوكب إلى جنوبه في مواجهة تحديات الحياة. وخلال موسم كأس العالم تتحول إلى أفيون أممي يجمع كل محب للكرة، يتوه في مساحات البطولة، ويجد فيها متنفساً من ضغوط الواقع.
لكن ولأن “أمريكا غير”، وصلت البطولة إلى الملاعب دون أن تصل إلى عشّاقها على المدرجات، إذ رسّخ سعر البطاقة في مونديال أمريكا فكرة أن كرة القدم سُرقت من الفقراء وتحولت إلى بازار تجاري فظ. كيف لا ونحن نسمع ونشاهد أسعار تذاكر لامست 100 ألف دولار في السوق السوداء، وحوالي ألف دولار للتذكرة النظامية، بعد أن كانت 100 دولار في أعلى سعر لها بمونديال قطر 2022، إضافة إلى عوائد البث والإعلانات الخرافية.
وفي سوريا، البلد الذي عاش على مدى خمسة عشر عاماً، وقائع هدّت موازين الاقتصاد فيه، كان على السوري الشغوف بكرة القدم أن يجد حلاً في ظل عدم نقل المباريات على القنوات المفتوحة، وارتفاع أسعار الاشتراكات في القنوات الحصرية وعدم قدرته على الدفع، فكيف كانت حلول السوريين لمتابعة المونديال العالمي.
مشهد مونديالي داخلي ليلي
يجلس علي، مشجع منتخب ألمانيا من حي الصالحية الدمشقي، قبيل انطلاق مباراة فريقه، محاولاً تعبئة إحدى باقات المونديال التي وفرتها شركات الاتصالات المحلية. يقول لمنصة الخبر “الباقات غالية بس هي الحل الأفضل حالياً. الشركات عاملين باقة لكل دور بالبطولة، والأسعار بين 30 و50 ألف ليرة. صحيح غالية، بس بتضل أوفر من القهاوي. بالقهوة القعدة الوحدة بتكلفك أكتر من هيك. بس المشكلة الشبكة والتغطية ما عم تخلّينا نتابع المباراة… بتضل بتعلّق”.
مشهد خارجي
يُعدّ المونديال “هاي سيزون” لدى المقاهي، حيث يزداد الطلب عليها لما توفره من متابعة عالية الجودة عبر شاشات كبيرة وصوت مرتفع وخدمة كاملة. لكنها مقابل ذلك “بتقص رقبة الزبون”، كما يقول حبيب من القصاع لمنصة الخبر “نذهب بشكل دوري مع الأصدقاء لمشاهدة المباريات، خصوصاً للفرق الكبيرة. وكلما كانت المباراة مهمة كانت الدفعة محرزة. الدخول إلى المقاهي وقت المونديال مكلف أكثر من الأيام العادية، بسبب تسعيرة خاصة يفرضها بعض أصحاب المقاهي، أو تسالي إجبارية، أو رفع أسعار المشروبات بحجة تعويض سعر الاشتراك. فنصبح بين خيارين: متابعة المباراة بظروف جيدة وأسعار فلكية، أو البقاء في المنزل مع باقات الشركات التي تضيع في انتظار تحميل الشبكة”.
شعب واحد… شاشة واحدة
في عدة محافظات تم نصب شاشات في أماكن عامة لبث مباريات المونديال ضمن ما عُرف بـ”مهرجان كأس العالم”، وأقيم في دمشق على أرض مدينة المعارض، حيث تباع التذكرة للشخص الواحد بـ35 ألف ليرة كرسم دخول.
تقول حسناء إحدى رواد المهرجان لمنصة الخبر “الدخولية بـ35 ألف حلوة ورخيصة، بس المشكلة الأسعار جوا متل أسعار المطاعم الغالية. بدنا نفوت ونعيش الأجواء، بس إذا بدنا نشتري شغلة صغيرة بتنكسر الميزانية. وإذا عيلة من أربع أشخاص بدها تفوت، بتصير حتى الدخولية غالية ومالها بالمتناول مع هالرواتب”.
وقامت بعض المبادرات المحلية، في مدن سورية عدّة، تتبع أغلبها لجمعيات او فرق مجتمعية، بتخصيص قاعات في مقراتها، تتيح الفرصة لمستفيديها وللمجتمعات المحلية، لمتابعة مباريات المونديال وسط أجواء جماعية، وذلك عبر شاشات تلفاز أو عرض كبيرة.
سرقات حلال
مشهد تجمّع الناس أمام المقاهي وقت عرض المباريات ليس مستغرباً في عموم المحافظات السورية، إذ يلجأ البعض إلى “التلصّص” على المباريات من خارج المقهى، للتمتع بالمشاهدة من جهة، وتعويض عدم القدرة على الدخول من جهة أخرى. حيلة رخيصة الثمن، وتُفضي إلى النتيجة ذاتها ولو بظروف غير مريحة كالتجمهر والوقوف في الشارع.
يتحدث أبو سامر كما عرّف عن نفسه لمنصة الخبر من أمام مقهى في منطقة الشعلان “مباراة ببلاش ما بتكلفني غير باكيت دخاني وفنجان شاي من البسطة وقاعد عم شوف صحيح مافي كرسي ولا في تركيز بسبب ضوجة الشارع والمسافة البعيدة عن الشاشة بس المهم شوف ميسي وكريستيانو وهلعيبة وفش خلقي من ضغط اليوم وما اتكلف كتير”.
توليف مستمر
يقول سعد من ركن الدين “لست مستعداً لدفع ليرة لمتابعة أي مباراة. ما أنتجه من عملي يكفي بالكاد لتأمين لقمة العيش. الحل لتحقيق الشغف هو البحث عن قنوات غير مشفرة عبر الأقمار. مرة نتابع عبر قناة جزائرية، ومرة أفريقية، بس ما أن تبدأ المباراة حتى تُزال بسبب حقوق البث. نبحث أيضاً عبر الأقمار الصناعية مثل الإيراني أو الروسي أو بعض القنوات الأوروبية، لكن التجربة ليست ناجحة دائماً في ظل قطع الكهرباء وقطع البث لحقوق الملكية لكنها تنجح في بعض الأحيان”.
البث الأرضي الرقمي
انتشرت في زمن النظام السابق قناة “هوا” الأرضية التي كانت تنقل المباريات عبر سرقتها من البث الرسمي للقنوات الناقلة. وحالياً، وقبيل المونديال بفترة أطلقت الإذاعة والتلفزيون خدمة “سيريا سات” التي تتضمن قنوات رياضية. كانت البداية مجانية، ثم تحوّل الحديث إلى اشتراك شهري مع تركيب جهاز لالتقاط البث يبلغ سعره 22 دولاراً، مع اشتراك أولي بـ35 دولاراً لمدة شهر، ثم 6.5 دولار للتجديد الشهري، ما يجعلها خدمة منخفضة التكلفة، وحل لمتوسطي الدخل.
ورغم كل ما يحيط بالسوريين من مشاكل اقتصادية، وضعف إنترنت، وغلاء يطال تفاصيل الحياة، يبقى المونديال مساحة صغيرة يستعيدون فيها شيئاً من الفرح الجماعي. تتبدّل الوسائل بين باقات الاتصالات، المقاهي، الشاشات العامة، البث الأرضي، أو حتى الوقوف خلف زجاج مقهى لمشاهدة مباراة، لكن القاسم المشترك واحد: رغبة لا تُهزم في البقاء جزءاً من هذا الحدث الكوني.
في بلد أثقلته السنوات، لا تبدو متابعة كرة القدم مجرد ترف، بل محاولة يومية لصنع لحظة طبيعية وسط اللاطبيعي، ولإثبات أن الشغف أقوى من الظروف. وبين كل هذه الحلول التي يبتكرها السوريون، يتضح أن كرة القدم تمثل لهم الأمل والفرح، وأنهم ما زالوا يجدون طريقهم نحو المباراة، مهما تغيّرت الشاشة أو ضاقت الخيارات.
جعفر مشهدية – الخبر



