العناوين الرئيسيةرياضة

من قوارب “الفايكنغ” إلى المدرجات.. هالاند وجمهور النروج والهوية

لم يكن احتفال منتخب النروج بقيادة إرلينغ هالاند بعد الفوز التاريخي على البرازيل وبلوغ ربع نهائي كأس العالم مجرد لقطة احتفالية عابرة. فبعد صافرة النهاية جلس اللاعبون في صفوف متوازية، وبدأوا حركة التجديف الجماعية أمام المدرجات ملتحمين بآلاف الجماهير في مشهد واحد، لتتحول المباراة إلى استعراض لهوية وطنية أكثر من كونها احتفالاً بنتيجة رياضية.

وكانت احفالات جمهور النروج في مونديال أميركا حديث الجماهير والمتابعين في كل مكان، بعدما تألق الفريق، الذي غاب عن نهائيات كأس العالم لمدة ٢٨ عاماً، وعاد ليقدم أداء مميزاً في الدور الأول والثاني من المونديال بقيادة نجمه ايرلينغ هالاند لاعب مانشستر سيتي الإنكليزي

 

“جزء من الذاكرة التاريخية لا الرسالة”

تتحدث وسائل الإعلام النرويجية أن استحضار رمز الفايكينغ في الملاعب لا يعني بالضرورة استعادة تاريخهم بكل تفاصيله، حيث ارتبطت تلك الحقبة أيضاً بالغزوات والعنف، وهي جوانب لا تشكل موضع احتفاء في الخطاب الوطني النرويجي المعاصر.

وما يظهر في الاحتفال الرياضي هو إعادة قراءة انتقائية للإرث التاريخي، إذ يُعاد توظيف رموز الملاحة والشجاعة والانضباط والعمل الجماعي باعتبارها قيماً قابلة للامتداد إلى الحاضر، بينما تبقى صفحات الصراع جزءاً من الذاكرة التاريخية لا من الرسالة التي يسعى المجتمع إلى تقديمها عن نفسه.

 

تعرف هذه الحركة باسم “التجديف الفايكنغي” (Viking Row)، وهي مستوحاة من الإرث البحري للفايكنغ الذين شكّلت سفنهم الطويلة رمزاً لحقبة تاريخية ارتبطت بالاستكشاف والرحلات البحرية.

 

وتعتمد الحركة على محاكاة التجديف الجماعي بإيقاع موحد، في إشارة إلى أن الوصول إلى الوجهة لا يتحقق بجهد فردي، بل بتناسق المجموعة.

 

ولم يكن التعامل مع إرث الفايكينغ في النرويج ثابتاً عبر الزمن. فمنذ أواخر القرن العشرين برزت صورة الدولة الحديثة القائمة على الرفاه والديمقراطية، مع تراجع الاحتفاء بالجوانب المرتبطة بالغزو والعنف.

 

وفي المقابل، اتجهت المؤسسات الثقافية والرياضية إلى إعادة تقديم هذا الإرث بصورة انتقائية، عبر إبراز رموز الملاحة والاستكشاف والعمل الجماعي.

 

ومن هذا السياق تكتسب رقصة “تجديف الفايكنغ” معناها، فهي لا تستحضر “الفايكينغ” بوصفهم محاربين، بل توظف رمزاً تاريخياً معروفاً لبناء شعور معاصر بالانتماء والوحدة حول المنتخب..

 

وخلال مونديال 2026 خرجت الحركة من المدرجات إلى أرض الملعب، وأصبح اللاعبون، وفي مقدمتهم هالاند، يؤدونها مع المشجعين بعد كل إنجاز كبير، حتى غدت إحدى أبرز الصور البصرية للبطولة.

 

عندما يصبح التشجيع جزءاً من الهوية

لا تستعيد الجماهير النروجية الماضي بوصفه حنيناً تاريخياً، كما أسلفنا، بل تعيد تقديمه بلغة معاصرة يفهمها العالم.

فالحركة لا تمثل إعادة تمثيل ل“الفايكنغ” بقدر ما توظف رمزاً معروفاً لإنتاج شعور بالانتماء والوحدة، وتمنح المنتخب هوية بصرية يسهل تمييزها بين عشرات المنتخبات.

 

وتوضح هذه الظاهرة كيف يمكن للرياضة أن تتحول إلى منصة تعرض من خلالها الشعوب سرديتها الثقافية، بحيث يصبح الاحتفال نفسه رسالة عن المجتمع، لا مجرد تعبير عن الفوز.

 

لكل شعب رموزه

في نيوزيلندا، تؤدي منتخباتها، وفي مقدمتها منتخب الركبي، رقصة “الهاكا” المستمدة من ثقافة شعب الماوري قبل المباريات. ولم تعد الرقصة مجرد استعراض، بل إعلاناً عن الاعتزاز بالإرث الأصلي وإبرازاً للهوية الوطنية أمام العالم.

 

أما في آيسلندا، فقد أصبحت “تصفيقة الفايكنغ” بإيقاعها البطيء والمتصاعد علامة مميزة للجماهير منذ بطولة أوروبا 2016. ورغم حداثة انتشارها، فإنها استندت إلى صورة المحارب الإسكندنافي الجماعي، لتصبح إحدى أكثر الطقوس الرياضية ارتباطاً بالمنتخب الآيسلندي.

 

ما بعد النتيجة

قد تنسى الجماهير تفاصيل كثير من المباريات، لكنها غالباً تتذكر الصور التي صنعتها الشعوب حولها. وفي حالة النروج، لم يكن هدفا هالاند في شباك البرازيل وحدهما ما صنع الحدث، بل المشهد الذي تلاهما؛ آلاف الأشخاص يتحركون بإيقاع واحد، وكأنهم يجدفون في قارب واحد.

 

هكذا تتحول الرياضة، في أفضل تجلياتها، إلى مساحة تحفظ فيها المجتمعات رموزها الثقافية، وتعيد تقديمها للأجيال الجديدة وللعالم، ليس داخل المتاحف، بل في أكثر اللحظات جماهيرية وتأثيراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى