العناوين الرئيسيةموجوعين

ماري.. خمسة آلاف عام في مواجهة التنقيب غير الشرعي

تداولت منصات سورية خلال الأيام الأخيرة مشاهد وتقارير عن تعرض أجزاء من موقع مملكة ماري الأثرية في تل الحريري بريف دير الزور لأعمال حفر وتخريب بحثاً عن الآثار.

 

لا بيانات رسمية ..

ولا تتوفر، حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، بيانات رسمية تحدد حجم الضرر الحديث أو عدد القطع التي أُخرجت من الموقع، لذلك لا يمكن التعامل مع الأرقام المتداولة على وسائل التواصل بوصفها حصيلة موثقة.

 

لكن ما يحدث في ماري، بصرف النظر عن حجم الضرر الحالي، يعيد فتح ملف أوسع يمتد إلى نحو عقدين: تاريخ التنقيب غير الشرعي والاتجار بالآثار السورية، وكيف انتقلت الظاهرة من تجارة موجودة قبل الحرب إلى عمليات نهب واسعة خلال سنوات الحرب، ثم إلى سوق تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات كشف المعادن في السنوات الأخيرة.

 

ماري.. مدينة على الفرات تكشف تاريخاً أكبر من آثارها الظاهرة

تقع ماري القديمة في موقع تل الحريري على الضفة السورية لنهر الفرات، قرب الحدود الحالية مع العراق. تأسست المدينة نحو عام 2900 قبل الميلاد، واستمرت قرابة 1200 عام، وشهدت تدميرين رئيسيين، الأول نحو عام 2300 قبل الميلاد والثاني عام 1759 قبل الميلاد، وفق البعثة الأثرية الفرنسية التي عملت على دراسة الموقع.

اكتُشف الموقع عام 1933، وبدأت أعمال التنقيب المنظمة فيه بإشراف عالم الآثار الفرنسي الشهير أندريه بارو. واستمرت الحملات الأثرية لعقود، ثم تولى جان-كلود مارغيرون إدارة البعثة، وتبعه باسكال بوتيرلان منذ عام 2005. وتوقفت أعمال التنقيب الميداني مع الظروف التي فرضتها الحرب، بينما استمرت البعثة في دراسة الأرشيف ونشر نتائج أعمال سابقة ومراقبة حالة الموقع بالصور الجوية والأقمار الصناعية.

وأظهرت التنقيبات قصراً ملكياً كبيراً ومعابد وأحياء سكنية ومناطق للحرف، إضافة إلى أرشيفات مكتوبة بالمسمارية تكشف تفاصيل عن الإدارة والتجارة والعلاقات السياسية في الشرق الأدنى القديم.

لكن أهمية ماري لا تتوقف عند القطع التي خرجت منها.

فالطبقة التي توجد فيها القطعة، وعلاقتها بالبناء المحيط بها، ومكان العثور عليها، وما يجاورها من لقى، كلها معلومات تساعد علماء الآثار على تفسير الموقع. وعندما تُقتلع قطعة عبر حفرة عشوائية من دون تسجيل سياقها، فإن الضرر لا يقتصر على القطعة نفسها؛ بل يمتد إلى المعلومات التي كان يمكن أن يقدمها المكان.

 

وحتى الآن لم يُنقّب سوى عن نحو 8% من مساحة الموقع، بحسب البعثة الأثرية الفرنسية، ما يعني أن مساحة واسعة من تاريخ ماري لا تزال تحت الأرض.

 

النهب لم يبدأ عام 2011

من السهل ربط نهب الآثار السورية بالحرب التي بدأت عام 2011، وهو ارتباط تؤكده كمية الأدلة التي ظهرت خلال سنوات الحرب، لكنه لا يصف كامل تاريخ الظاهرة.

 

فأبحاث تناولت تجارة الآثار السورية تشير إلى وجود تنقيب غير شرعي وتجارة بقطع سورية قبل عام 2011، وإلى أن بعض القطع كانت تدخل الأسواق الدولية بصورة علنية نسبياً، مع وجود حالات تهريب سابقة للحرب.

 

ويشير تقرير بحثي صادر عن مركز مكافحة الإرهاب ودراسات الجريمة المنظمة في جامعة جورج ميسون عام 2019 إلى أن صور الأقمار الصناعية تظهر تعرض مواقع سورية للنهب قبل عام 2011، وأن تجارة القطع السورية كانت موجودة في الأسواق الدولية خلال العقود السابقة للحرب، مع ضعف الإجراءات المنهجية لمنعها. ويورد التقرير أمثلة على قطع سورية أو قطع عراقية وُصفت على نحو مضلل بأنها سورية، إضافة إلى ضبط قطع سورية كانت قد خرجت من المنطقة قبل الحرب.

وبالتالي، فإن الحرب لم تنشئ سوق الآثار غير الشرعية من الصفر، لكنها غيّرت حجمها وبيئتها ووسائلها.

 

2011–2014.. الانتقال إلى النهب واسع النطاق

مع اتساع رقعة الحرب، وتراجع قدرة المؤسسات على الوصول إلى المواقع الأثرية، بدأت صور الأقمار الصناعية تكشف تحولاً كبيراً في حجم الحفر غير الشرعي.

 

وفي موقع ماري تحديداً، وثقت تقارير اليونسكو المعتمدة على صور الأقمار الصناعية وجود 165 حفرة حتى آذار 2014، ثم رصدت 1268 حفرة بعد ستة أشهر من سيطرة مجموعات مسلحة على الموقع عام 2014. كما سجل التقرير استخدام آليات ثقيلة في عمليات النهب، وذكر أضراراً طالت أجزاء من معابد ومنشآت في منطقة القصر الملكي.

 

ولا تعني أرقام الحفر عدد القطع التي خرجت من الموقع؛ فهي تقيس أثراً مرئياً على سطح الأرض، ولا يمكن منها وحدها تحديد ما استخرج من القطع أو أين انتهى.

لكنها تقدم مؤشراً واضحاً على حجم التغيير الذي طرأ على الموقع خلال فترة قصيرة.

ماري لم تكن ماري استثناء

فدراسات الاستشعار عن بعد وثقت عمليات نهب واسعة في مواقع سورية أخرى، من بينها أفاميا، حيث استخدمت صور الأقمار الصناعية متعددة التواريخ لرصد مناطق تعرضت للحفر خلال عامي 2011 و2012.

 

كما أظهرت دراسة أكاديمية لاحقة أن 355 موقعاً من أصل 3641 موقعاً أثرياً سورياً جرى تحديدها في الدراسة أظهرت مؤشرات على النهب بعد 2011.

 

 

سنوات الحرب.. الأثر يصبح مورداً

خلال سنوات الحرب، لم يعد الخطر مقتصراً على أفراد يحفرون بحثاً عن قطع قابلة للبيع.

في بعض المناطق، دخلت الآثار ضمن اقتصاد الحرب نفسه. وتظهر دراسات حالة أن تنظيم “داعش” تعامل مع الآثار في المناطق التي سيطر عليها باعتبارها مورداً اقتصادياً، وأنشأ آليات لإدارة استخراجها وفرض رسوم على عمليات التنقيب والاتجار بها، كما توثق دراسة عن منطقة منبج وريفها.

وفي مناطق أخرى، أدت السيطرة المتغيرة على الأراضي وضعف الحماية وانتشار السلاح إلى توفير بيئة مناسبة للحفر غير الشرعي والتهريب.

وفي الوقت نفسه، تعرضت المتاحف والمخازن للسرقة أو الضرر، ونقلت السلطات السورية خلال سنوات الحرب أجزاء من المجموعات إلى أماكن أكثر أمناً.

 

لكن نقل القطع من الموقع لا يحل المشكلة بالكامل.

فالقطع التي خرجت من المتحف يمكن تسجيلها وتصويرها ومطابقة أرقامها، بينما القطع التي تُستخرج من موقع أثري بطريقة غير قانونية قد لا تدخل أصلاً في أي سجل.

 

وهنا تكمن إحدى أكبر صعوبات ملف الآثار السورية: ليس هناك سجل شامل يمكن من خلاله معرفة كل ما أُخرج من الأرض خلال سنوات الحرب.

 

من الحفرة إلى السوق

يمكن أن تمر القطعة بعدة مراحل: نقل داخل سوريا، وسيط محلي، عبور إلى دولة مجاورة، ثم محاولة إدخالها إلى سوق أوسع، أحياناً مع معلومات ناقصة أو مضللة عن مصدرها.

 

ولهذا أصبح مفهوم “سلسلة التوريد” مهماً في دراسة الاتجار بالآثار، فمواجهة الحفر وحده لا تكفي إذا بقيت الأسواق قادرة على استقبال القطع التي خرجت منه.

 

وقد وضعت اليونسكو منذ عام 1970 إطاراً دولياً لمكافحة الاستيراد والتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بصورة غير مشروعة، وتؤكد الاتفاقية أن الحفريات الأثرية السرية والاتجار الناتج عنها من مصادر إفقار التراث الثقافي للدول الأصلية. وسوريا دولة طرف في الاتفاقية منذ عام 1975.

 

وفي 2015، عزز مجلس الأمن الدولي الإجراءات الدولية لمواجهة الاتجار بالممتلكات الثقافية القادمة من سوريا والعراق، فيما دعت اليونسكو الدول إلى التعاون في مكافحة هذا النوع من الاتجار.

 

بعد سنوات الحرب.. السوق تنتقل أيضاً إلى الإنترنت

ففي حزيران 2025، قال المجلس الدولي للمتاحف “ICOM” إن أعضاءه في سوريا أبلغوا عن زيادة في النهب والبيع غير القانوني والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية السورية، وتحدث المجلس عن ظهور سوق سوداء نشطة، وعن بيع أجهزة كشف المعادن بصورة علنية في مدن سورية، والإعلان عن قطع ناتجة عن حفريات غير قانونية على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

كما أشار إلى زيادة تداول القطع المقلدة، ولا سيما العملات، ما يضيف مشكلة أخرى تتمثل في صعوبة التحقق من أصالة القطعة ومصدرها.

 

وفي العام نفسه، نقلت تقارير صحفية تعتمد على مشروع ATHAR المتخصص في متابعة الاتجار بالآثار السورية مؤشرات على زيادة واضحة في تداول القطع السورية عبر الإنترنت بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024. لكن هذه البيانات تتعلق بالحالات التي تمكن المشروع من رصدها في السوق، ولا تمثل بالضرورة العدد الإجمالي للقطع المهربة من سوريا.

وهذا التفريق مهم، لأن عدد الإعلانات أو الحالات التي يرصدها مشروع بحثي لا يساوي تلقائياً عدد القطع المنهوبة.

 

المتحف أيضاً جزء من المعادلة

في تشرين الثاني 2025، تعرض المتحف الوطني في دمشق لسرقة ستة تماثيل رخامية رومانية، وفق تقارير صحفية نقلت عن السلطات السورية، وفتحت السلطات تحقيقاً في الحادثة.

 

الحادثة لا تثبت وجود علاقة بينها وبين ما يحدث في المواقع الأثرية، لكنها تذكّر بأن حماية التراث لها مستويان مختلفان: حماية المواقع المفتوحة من الحفر والنهب، وحماية القطع الموجودة داخل المتاحف والمخازن.

 

وبين المستويين توجد مسألة ثالثة: توثيق القطعة.

فالقطعة التي تحمل رقماً وصورة وسجلاً واضحاً لحيازتها وتاريخ العثور عليها تكون فرص التعرف إليها واستردادها أكبر من قطعة لا تمتلك أي سجل موثوق.

 

23 قطعة عادت من فرنسا.. والاسترداد بداية لا نهاية

في 7 تموز 2026، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى دمشق، إعادة 23 قطعة أثرية سورية كانت قد أُعيرت إلى معهد العالم العربي في باريس عام 2010.

 

وأعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا في اليوم التالي عرض القطع في المتحف الوطني بدمشق بعد عودتها، موضحة أن المجموعة تضم قطعاً من فترات ومواقع سورية مختلفة.

 

الحدث مهم لأنه يوضح جانباً مختلفاً من ملف حماية التراث: استعادة القطعة التي خرجت من البلاد بصورة قانونية في إطار إعارة، تختلف تماماً عن استرداد قطعة خرجت نتيجة نهب أو تهريب.

وفي الحالة الأولى توجد سجلات إعارة ومؤسسات محددة ومسار معروف للقطعة؛ أما في حالة القطعة المنهوبة، فقد يكون إثبات مكان العثور عليها وملكيتها ومسار خروجها أكثر تعقيداً.

 

لكن عودة القطع تفتح أيضاً سؤالاً مهنياً آخر: ماذا يحدث للقطعة بعد وصولها؟

ظهرت على وسائل التواصل نقاشات حول طريقة فتح الصناديق، والتحضير للعرض، والتنظيف والتعامل مع القطع. إلا أن ما أمكن التحقق منه من المصادر الرسمية لا يقدم دليلاً يثبت تعرض القطع الـ23 لضرر بسبب التخزين أو التنظيف، ولذلك لا يصح تقديم هذه الادعاءات كوقائع.

 

المبدأ الأثري هنا واضح: التنظيف والترميم ليسا عمليتي تجميل.

فالقطعة الأثرية قد تحمل على سطحها أو داخل مادتها معلومات عن تقنية صناعتها أو تاريخها أو تعرضها لعوامل مختلفة. لذلك ينبغي أن تسبق أي معالجة عملية فحص وتوثيق وتقييم لحالتها، وأن يكون التدخل بالحد الأدنى الضروري للحفظ، وفق خطة علمية واضحة.

 

وتؤكد اليونسكو، في إرشاداتها المتعلقة بالمواقع المتضررة، ضرورة إعطاء الأولوية لإجراءات الحفظ الإسعافية التي تمنع السرقة والانهيار والتدهور، وعدم الانتقال إلى أعمال ترميم وإعادة بناء واسعة قبل وضع استراتيجيات حفظ شاملة ومتوافقة مع المعايير الدولية.

 

لذلك فإن الاسترداد ليس اللحظة الأخيرة في حياة القطعة؛ بل بداية سلسلة جديدة من المسؤوليات: الفحص، والتوثيق، والحفظ، وتسجيل حالتها، ثم تحديد طريقة العرض المناسبة.

 

ما الذي يمكن فعله؟

لا توجد وسيلة واحدة قادرة على وقف نهب آلاف المواقع المنتشرة في بلد مثل سوريا. لكن الخبرة المتراكمة خلال العقدين الماضيين تحدد مجموعة إجراءات عملية.

أولاً: مراقبة المواقع بصورة دورية.

تتيح صور الأقمار الصناعية مقارنة الموقع عبر الزمن واكتشاف الحفر الجديدة، وهي أداة استخدمت فعلاً في ماري ومواقع سورية أخرى. وتؤكد البعثة الأثرية الفرنسية استمرارها في مقارنة بيانات الاستشعار عن بعد مع أرشيف الموقع لمتابعة الأضرار.

 

ثانياً: بناء سجل رقمي موحد للقطع.

صور عالية الدقة، وأرقام تسجيل، ومعلومات عن المادة والأبعاد ومكان العثور، وسجل الملكية أو الحيازة، كلها تجعل التعرف إلى القطع واستردادها أكثر قابلية للتحقق.

 

ثالثاً: ربط مؤسسات الآثار بالشرطة والجمارك والقضاء.

فالقطعة المنهوبة لا تبقى داخل قطاع الثقافة؛ وقد تعبر الحدود أو تظهر في مزاد أو إعلان إلكتروني، ما يجعل التعاون بين الجهات المختصة والدول المجاورة والأسواق الدولية جزءاً أساسياً من عملية الاسترداد.

 

رابعاً: مراقبة السوق الإلكترونية.

تحذير ICOM في 2025 يوضح أن جزءاً من المشكلة بات مرئياً على وسائل التواصل الاجتماعي، سواء عبر بيع القطع أو الترويج لأدوات التنقيب.

 

خامساً: إشراك المجتمعات المحلية.

الحراسة الرسمية ضرورية، لكنها لا تستطيع وحدها تغطية جميع المواقع. لذلك تصبح التوعية والإبلاغ المحلي وإشراك سكان المناطق المحيطة بالمواقع جزءاً من منظومة الحماية، وهو ما تنص عليه أيضاً مقاربة اليونسكو والجهات المتخصصة في حماية التراث.

 

ماري.. ما لم يُكتشف بعد أهم مما يمكن بيعه

تكشف ماري حجم المفارقة التي تواجه التراث السوري اليوم.

فالموقع الذي أعطى الباحثين معلومات عن مدينة رئيسية في الشرق الأدنى القديم لا يزال يحتوي، وفق البعثة الأثرية الفرنسية، على مساحات واسعة لم تُنقّب بعد.

 

كل حفرة عشوائية لا تعني بالضرورة العثور على قطعة ثمينة، لكنها قد تزيل طبقات ومعلومات لن يستطيع عالم الآثار استعادتها لاحقاً.

 

ولهذا لا تختصر قضية ماري في عدد القطع التي ربما سُرقت، ولا في قيمة ما يمكن أن يباع منها.

 

القيمة الأكبر موجودة في السياق الذي يجعل القطعة دليلاً تاريخياً.

وإذا كان العقدان الماضيان قد أظهرا أن حماية التراث السوري تتطلب أكثر من الحراسة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب منظومة تجمع بين التوثيق الرقمي، والرصد بالأقمار الصناعية، وحماية المتاحف والمخازن، والتعاون القضائي والجمركي، ومراقبة السوق الإلكترونية، وإشراك المجتمعات المحلية.

أما ماري، التي لم يُكشف إلا عن جزء محدود من مساحتها، فما زالت تحتفظ تحت ترابها بأسئلة لم يجب عنها علم الآثار بعد.

وحمايتها تعني، قبل أي شيء، إبقاء تلك الأسئلة موجودة حتى يأتي وقت الإجابة عنها.

الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى