بين خيوط الصوف والاقتصاد الرقمي.. رحلة “نهفة” من هواية منزلية إلى نظام إنتاج متكامل

في منزل صغير بريف جبلة، كانت بداية مشروع لم تُبنَ على خطة عمل مكتملة أو رأس مال كبير، بل على محاولة بسيطة للخروج من دائرة الضيق الاقتصادي عبر مهارة يدوية، ليقدم نموذجا لقصص ترفض أن تبقى الظروف عائقاً.

بين خيوط صوف بسيطة، وصفحات إنترنت بطيئة، وتدريب مهني في اللاذقية عام 2013، تشكّل مشروع عيسى الخضر وشقيقته من فكرة أولية إلى نموذج عمل يتوسع تدريجياً نحو التدريب، والإنتاج، وبناء مجتمع رقمي للحرفيين في سوريا والعالم العربي.
“نهفة استوديو” تجربة لا تقدَّم كقصة نجاح فردية فقط، بل اختبار عملي لإمكانية تحويل الحرف المنزلية إلى مصدر دخل في بيئة اقتصادية عالية الخطورة.

في بلد مثل سوريا، تتراجع فيه فرص العمل التقليدية منذ سنوات، وترتفع فيه تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة معظم الأسر على التكيّف، لم تعد الحرف اليدوية مجرد هواية منزلية أو نشاط جانبي محدود، بل تحوّلت لدى كثيرين إلى محاولة فعلية لبناء مصدر دخل مستقل يمكن التحكم به، ولو جزئياً، خارج السوق المعتمد على الوظائف التقليدية.
ومع هذا الواقع، يحاول الشاب عيسى الخضر، المُنحدر من ريف جبلة، تحويل “الكروشيه” والمشغولات اليدوية من نشاط فردي قائم على “الشغل بالقطعة”، إلى نموذج عمل أكثر تنظيماً، يمتدّ إلى التدريب، وبناء المجتمعات الرقمية، وإدارة الإنتاج، والتسويق بالمحتوى، بهدف خلق مشروع قابل للاستمرار والتوسع، لا مجرد صفحة تبيع منتجات يدوية عبر “فيسبوك”.
من دراسة الجدوى إلى أول قطعة مباعة
يحكي عيسى لموقع تلفزيون الخبر عن بداية حكايته، يقول أن التجربة بدأت كفكرة عام 2013، حين كان “الخضر” يدرس الهندسة الميكانيكية، قبل أن يترك الجامعة لاحقاً. خلال تلك الفترة، شارك في تدريب ضمن مركز لمهارات التدريب المهني في اللاذقية، وكان المطلوب من المشاركين إعداد دراسة جدوى لمشروع صغير.

هناك بدأت الفكرة الأولى. يقول “الخضر” إن “الظروف الاقتصادية وقتها دفعتْه للتفكير مع شقيقته ماريا، خريجة الأدب الإنكليزي، بمشروع يعتمد على المهارات اليدوية الموجودة أصلاً داخل العائلة، حيث يعمل أفراد منها في الرسم والنحت والأعمال اليدوية”.

يحكي عيسى عن بدايات “نهفة استوديو” قائلاً “بدأ المشروع بإنتاج الإكسسوارات البسيطة باستخدام الخرز والخيوط، قبل الانتقال تدريجياً إلى الكروشيه والأعمال الصوفية، وفي ذلك الوقت، لم يكن الإنترنت متاحاً بسهولة، وكانت مشاهدة فيديو تعليمي واحد على يوتيوب تتطلب ساعات طويلة بسبب ضعف الاتصال، أو الذهاب إلى المقاهي لتحميل المقاطع التعليمية ثم العودة لمشاهدتها لاحقاً”.
ورغم محدودية الإمكانيات، كما يقول عيسى، بدأ “نهفة” برأس مال صغير جداً. يتذكّر الخضر أنهم اشتروا أول كمية خيوط بحوالي ألفي ليرة سورية، أي ما كان يعادل نحو عشرة دولارات تقريباً حينها، ثم بدأوا بإعادة تدوير الأرباح الصغيرة لشراء مواد جديدة.

لاحقاً، تلمّست الفكرة طريقها بشكل أوضح وبدأ الترويج لها عبر صفحة على “فيسبوك”، ثم كشكاً معدنياً صغيراً على الرصيف في جبلة، قبل الانتقال إلى محل أكبر لفترة قصيرة.
في حديثه عن حالة تُشكّل نموذجاً لافتاً يجمع عدة مقومات وعوامل اختلاف، يعتبر “الخضر” أن نقطة التحول الحقيقية لم يكن بيع المنتجات بحد ذاته، بل الانتقال من عقلية “الهواية” إلى عقلية “المشروع”، والبدء بالعمل بشكل أكثر تنظيماً ودراية.
لماذا تفشل مشاريع الحرف اليدوية غالباً؟
بحسب “الخضر”، تتوقف معظم المشاريع المنزلية الصغيرة في سوريا عند مرحلة “الشغل اليدوي”، دون أن تتحول إلى مشروع اقتصادي فعلي. ويرى أن المشكلة الأساسية، ليست في المهارة، بل في غياب التفكير التجاري والإداري. ويوضح قائلاً “في البدايات، كان التسعير يتم بشكل عشوائي، اعتماداً على التقدير الشخصي أو مقارنة الأسعار بمنتجات مشابهة. لكن التجربة العملية، ثم التدريبات التي خضعت لها لاحقاً خارج سوريا، غيّرت طريقة تفكيري بالكامل”.
“هناك، تعلّمت مبادئ بناء العلامات التجارية، وإدارة فرق العمل، ونماذج الأعمال، وحساب التكاليف الثابتة والمتغيرة، وآليات التسويق، وكيفية تحويل المهارة الفردية إلى عملية إنتاج يمكن تكرارها وتوسيعها” وفق عيسى.
يقول “الخضر” صاحب “نهفة استوديو” لموقع الخبر أن “كثيراً من الحرفيين يعتقدون أن المشكلة في قلّة البيع، بينما تكون المشكلة الحقيقية أحياناً في غياب التسعير الصحيح أو عدم فهم السوق أو غياب الهوية الواضحة للمشروع”.

وانطلاقاً من هذه الحاجة، بدأ عيسى لاحقاً بتطوير تدريبات مخصصة للحرفيين، لا تقتصر على تعليم الكروشيه، بل تشمل أيضاً كلّا من التسعير، بناء العلامة التجارية، صناعة المحتوى، فهم الجمهور، تطوير المنتجات، إنشاء نموذج عمل قابل للاستمرار، حتى إنه عمل على توفير أدوات مساعدة، بينها كتيّبات وآلات حاسبة تفاعلية تساعد الحرفيين على حساب تكلفة القطعة وهوامش الربح بشكل أدق.
لا ترتبط الإشكالية، بحسب التجربة التي يصفها “الخضر”، بضعف المهارة اليدوية أو غياب القدرة على الإنتاج، بل بغياب البنية التنظيمية التي تحوّل هذه المهارة إلى مشروع اقتصادي قابل للاستمرار. فالتسعير العشوائي، والاعتماد على الطلب الفردي، وغياب فهم التكاليف الثابتة والمتغيرة، كلها عوامل تؤدي إلى توقف مشاريع كثيرة عند حدود “الدخل الإضافي” دون أن تتحول إلى مصدر رزق مستقر.
ومن هنا، كانت نقطة تحوّل “نهفة استوديو” تدريجياً من فكرة بيع القطع اليدوية إلى محاولة بناء نظام عمل يقوم على التدريب، وتوحيد آليات الإنتاج، وربط المنتج بسوق واضح بدلاً من الاكتفاء بردّ الفعل على الطلب.
“شغل تسلية”.. نظرة اجتماعية يصطدم بها المشروع
لم تكن العقبات اقتصادية فقط. فمنذ البداية، واجه المشروع تعليقات تقلّل من قيمة العمل اليدوي نفسه، باعتباره “هواية” أو “شغل تسلية” لا يمكن الاعتماد عليه كمصدر دخل حقيقي، بحسب ما يشرح الخضر. لكن التحدي كان أكثر تعقيداً بالنسبة إليه بوصفه شاباً يعمل في مجال يُصنف اجتماعياً ضمن “الأعمال النسائية”.
يقول عيسى إن التعليقات الساخرة أو المستغربة كانت حاضرة دائماً، لكنه اختار التعامل معها بهدوء طالما بقيت ضمن حدود الاحترام. ومع الوقت، لاحظ أن المشكلة ليست في طبيعة الحرفة نفسها، بل في الصورة النمطية المرتبطة بها، وفي النظرة التقليدية للأعمال المنزلية والحرفية عموماً.
ورغم أن وجوده كشاب ضمن المجال أثار استغراب البعض، فإنه يرى بالمقابل أن المجتمع يمنح الرجال في سوريا هامش حركة أوسع في بعض الجوانب المرتبطة بالإدارة والتسويق والتنقل وبناء العلاقات المهنية، مقارنة بكثير من النساء العاملات في الحرف المنزلية.
الفجوة كما يصفها الخضر ظهرت له بوضوح خلال عمله مع سيدات داخل سوريا ولبنان، حيث لاحظ أن كثيرات يمتلكن مهارات عالية، لكنهن يواجهن صعوبات مرتبطة بالتسويق، أو التفاوض، أو الظهور العلني، أو حتى القدرة على توسيع العمل خارج المنزل.
ومن هذه النقطة بدأ المشروع، بحسب عيسى، يأخذ بُعداً مختلفاً، لا يتعلق فقط ببيع منتجات، بل مساعدة الحرفيات على الانتقال من مفهوم “أنا أشتغل بالبيت” إلى مفهوم “أنا أمتلك مشروعاً”.
غير أن “الخضر” يُشير إلى أنه لم يكن استثناء منفرداً في هذا الفضاء. فمع توسّع تواصله عبر المنصات الرقمية، اكتشف وجود شبان عرب يعملون في “الكروشيه” والمشغولات اليدوية عبر مناطق متعددة، من مصر والعراق إلى السعودية والكويت والأردن، داخل سوريا وخارجها.
بعضهم هؤلاء يشتغل في الإكسسوار، وبعضهم في التطريز أو الأعمال الصوفية، لكن القاسم المشترك بينهم، كما يصفه، هو ذلك الجدار الأول من التعليقات المستغربة الذي اصطدم به كلٌّ منهم في بيئته. ما بدأ كإحساس بالعزلة تحوّل تدريجياً إلى اكتشاف أن ثمة مجتمع موزّع يشاركه الحرفة والسؤال معاً. لذلك أطلق “نهفة استوديو” سلسلة محتوى وثّق فيها قصص بعض هؤلاء، ويعمل على إصدار جزء ثان منها، ليس تحفيزاً فحسب، بل لأن هذه الوجوه، بحسب قوله، “بتثبت إنو مش عيب ومش غريب، وإنو في ناس قبلك مشوا بنفس الطريق”.
بناء مجتمع لا مجرد متجر
خلال السنوات الماضية، لم يعد نشاط “نهفة استوديو” مقتصراً على بيع المنتجات اليدوية، بل توسّع نحو بناء مجتمع رقمي للحرفيين عبر منصات التواصل. يقدم فيه “الخضر” محتوى لا يركّز فقط على عرض المنتجات، بل يناقش أيضاً مشكلات الحرفيين اليومية كصعوبة تأمين الخامات، ارتفاع الأسعار، اعتراض بعض الزبائن على تكلفة المنتجات اليدوية، آليات التسويق، أخطاء التسعير، وحتى المواقف الطريفة المتعلقة ب”الكروشيه”.
وعن مراحل التطور وصولا لبناء علاقة مستدامة مع الجمهور تبتعد خارج إطار زبائن تطلب قطعاً محددة، يقول عيسى إن إحدى أهم النتائج التي توصّل إليها بعد سنوات من التجريب، أن الجمهور لا يبحث بالضرورة عن “محتوى مثالي”، بل عن محتوى حقيقي ومستمر وقابل للتصديق. ليثبت أن الثقة لا تُبنى بالإتقان وحده، بل بالجرأة على الظهور ناقصاً أمام من يتابعك.
لذلك، تخلّى عيسى الخضر تدريجياً عن فكرة “الشخصية المصطنعة” الخاصة بالعلامة التجارية، واتجه إلى دمج شخصيته الحقيقية بالمحتوى، مع التركيز على الاستماع للجمهور وتطوير المنتجات بناءً على احتياجاته الفعلية.
هذه المقاربة ساعدت المشروع على بناء قاعدة عملاء ثابتة، وبعضهم بات يتعامل مع الفريق لإنتاج قطع خاصة بعلاماتهم التجارية في لبنان وأوروبا وأمريكا، بحسب ما يقول الخضر.
كما أن المشروع بدأ مؤخراً بتقسيم العمل داخلياً إلى مسارات واضحة تشمل متجر الإكسسوارات، متجر الكروشيه، خط “عالم جوري” المختص بالمنتجات المستوحاة من الورود، التدريب والتعليم، والاستشارات المتعلقة بالمشاريع الحرفية.
ورغم هذا التطور، لا يقدّم الخضر تجربته كنموذج جاهز للتعميم أو كحل شامل، إذ يقرّ بأن هذا النوع من المشاريع يواجه قيوداً واضحة مرتبطة بالسوق المحلي، وقدرات التمويل، والبنية التحتية الرقمية، إضافة إلى تفاوت مستويات المهارة بين المتدربين. كما أن الانتقال من مشروع فردي إلى عمل منظّم يتطلب وقتاً أطول مما يظهر على منصات التواصل، خصوصاً في بيئة تتغير فيها الأسعار وتوافر الخامات بسرعة، وتفرض تحدّيات دائمة على استمرارية الإنتاج والتسويق.
عندما يتحول الكروشيه إلى مساحة دعم اجتماعي
بعيداً عن المبيعات، يقول الخضر إن بعض اللحظات الإنسانية كانت كفيلة بإعادة تعريف معنى التجربة بالنسبة إليه. يتذكر بتأثر بالغ، سيدة دخلت إلى الكشك الصغير الذي كانوا يعملون فيه بجبلة، ونظرت إليه طويلاً قبل أن تقول له إنه ذكّرها بابنها الرّاحل، الذي كان يعمل ب”الكروشيه” أيضاً. “لو لم أكن أعمل بهذه المهنة، ربما لما تذكرته بهذه الطريقة”، يقول الخضر.
وتبدو القصص التي تجمع “الخضر” بأبعاد مشروعه، خيوطا جديدة تنسج مزيداً من الروابط، يدلّل عليها شغف لا يخفيه وهو يستذكر مفاصل عدة شكلت علامات في الذاكرة، بهذا الارتباط يحكي الخضر لموقع الخبر قصصاً أخرى.
“مثل هذه التفاصيل، جعلت المشروع يتجاوز فكرة بيع المنتجات إلى مساحة مرتبطة بالذاكرة والعلاقات الإنسانية” يقول عيسى. ويستكمل حديثه عن عدة مبادرات مجتمعية أطلقها “نهفة استوديو”، بينها مبادرة “100 طاقية” بعد زلزال شباط 2023، والتي توسعت لاحقاً إلى أكثر من 250 قطعة، بمشاركة متبرعين بالخيوط والعمل والمنتجات الجاهزة، إلى جانب إطلاق تدريبات مجانية قصيرة تعتمد على نظام التحفيز عبر التفاعل والتطبيق العملي، ومبادرات أخرى داخل سوريا وفي لبنان.
ولعل ما يختصر المعنى الذي تحمله روابط الذاكرة، قصةٌ يرويها “الخضر” بصوت أهدأ من بقية الكلام، عن شاب تواصل مع الفريق حاملاً شالاً لم يكتمل، كانت والدته بدأت حياكته قبل أن تُغادر. لم يكن يبحث عن قطعة جديدة، بل عن امتداد لشيء توقّف في منتصف الطريق. يقول عيسى: “طلب منا نكمّل الشال بنفس الغرزة ونفس الخيط، بالطريقة ذاتها التي كانت تشتغلها أمه”. استدعى الأمر وقتاً في فهم التقنية التي استخدمتها الوالدة، ومحاولة مطابقة إيقاع يدٍ لم يعد بالإمكان السؤال عنها. “هاد الشي خلاني أحس إنو الكروشيه مش بس خيطان، هو ذاكرة ناس”.
لماذا لا تكفي صفحات التواصل الاجتماعي؟
ضمن بيئة رقمية غير مستقرة، يرى عيسى الخضر صاحب “نهفة استوديو” أن الاعتماد الكامل على منصات التواصل الاجتماعي يشكّل خطراً حقيقياً على المشاريع الصغيرة. لذلك، بدأ المشروع بالاستثمار في موقع إلكتروني مستقل وقواعد بيانات للعملاء وأنظمة أرشفة للطلبات وتوثيق خطوات العمل والإنتاج.

ويقول “الخضر” إن “الهدف هو بناء نظام تشغيلي متكامل، بحيث لا يبقى المشروع معتمداً بالكامل على شخص واحد، فكل خطوة، من تصنيع القطعة إلى الرد على العملاء والتغليف وصناعة المحتوى، يجري العمل على توثيقها ضمن آليات واضحة، بما يسمح بتوسيع الفريق مستقبلاً أو نقل المهام دون انهيار المشروع”.
وعن الاستثمار في البنية التحتية التطويرية يقول عيسى إن “الفريق استثمر في الطاقة الشمسية وتحسين خدمة الإنترنت، باعتبار أن البنية التحتية أصبحت جزءً أساسياً من تكلفة أي مشروع رقمي أو حرفي يعتمد على التسويق الإلكتروني”.
ما الذي تقوله هذه التجربة؟
لا يمكن اعتبار تجربة فردية حلاً لأزمة اقتصادية معقدة مثل الأزمة السورية، لكن نماذج كهذه تكشف عن تحولات حقيقية في سوق العمل المحلي. ففي السنوات الأخيرة، دفعت الضغوط الاقتصادية عدداً متزايداً من السوريين، خاصة النساء والشباب، نحو الاقتصاد المنزلي، والعمل الحر، والحرف اليدوية، وصناعة المحتوى، باعتبارها مساحات أقل كلفة للدخول وأكثر مرونة من الوظائف التقليدية.
لكن تجربة “نهفة استوديو” تؤكد أيضاً أن المهارة وحدها لا تكفي. الاستمرار، كعامل نجاح أساسي بحسب ما يقدمه هذا النموذج، يحتاج إلى فهم السوق، بناء هوية واضحة، تعلم التسويق، إدارة مالية دقيقة، استثمار بالبنية التحتية. وبناء شبكة علاقات ومجتمع داعم.
وربما لهذا السبب، لا يقدّم “الخضر” مشروعه بوصفه “قصة نجاح مكتملة”، بل كتجربة ما تزال قيد التطوير والتجريب، تحاول الانتقال من مشروع عائلي صغير بدأ بعشرة دولارات، إلى نموذج إنتاج حرفي قابل للاستمرار في بيئة شديدة الهشاشة.
وفي السياق السوري الحالي، تتوسّع مساحة الاقتصاد المنزلي والحرفي بوصفها أحد أشكال التكيّف مع تراجع فرص العمل التقليدية، وارتفاع تكاليف تأسيس المشاريع الصغيرة. هذا التحوّل لا يرتبط فقط بالحاجة إلى دخل إضافي، بل أيضاً بتغير في سلوك العمل نفسه، حيث أصبح العمل عبر الإنترنت، والتسويق الرقمي، والإنتاج المنزلي، أدوات أساسية للبقاء الاقتصادي.
غير أن هذا التحول يبقى هشّاً ما لم يُدعَم بفهم إداري ومالي واضح، وهو ما تحاول بعض التجارب الفردية، مثل “نهفة استوديو”، التعامل معه عبر التدريب وبناء أنظمة تشغيل بسيطة قابلة للتكرار.
يعمل المشروع بحسب عيسى الخضر حالياً على “الانتقال من كونه نشاطاً يعتمد على شخص واحد إلى نموذج أكثر تنظيماً يقوم على توزيع المهام وتوثيق آليات العمل، بحيث لا تبقى المعرفة محصورة بالفرد بل قابلة للنقل والتطبيق”. يشمل ذلك “توثيق خطوات الإنتاج، وآليات التسعير، وأساليب التواصل مع العملاء، إضافة إلى بناء قاعدة بيانات للزبائن وربطها بقرارات التسويق والتطوير”.
هذا التحول، كما يصفه “الخضر”، لا يهدف فقط إلى توسيع المشروع، بل إلى خلق بنية يمكن أن تستمر حتى في حال تغيّر الأشخاص، وهو ما يشكّل الخطوة الأكثر حساسية في الانتقال من مشروع حرفي منزلي إلى نموذج اقتصادي قابل للتوسع. ما يجعل هذا النموذج جديراً بالتأمل ليس أنه نجح، بل أنه لم يتوقف عن التساؤل إن كان ما يفعله يكفي. ليصبح نموذجاً نُسجت بداياته من خرز، خيطان ملونة، و”سنّارات”، ليصبح مع الاستمرارية والتّعلم نموذجاً مبنياً على أساس متين.
تلفزيون الخبر













