العناوين الرئيسيةمجتمع

“على العقيق اجتمعنا”.. عائلات سورية تشتاق “تكريزة رمضان”

عبر أنغام “على العقيق اجتمعنا” للفنان الراحل صباح فخري كانت عائلة “أبو محمد” تقطع درب حلب لتصل إلى دمشق على مدار (25 عاماً) وتقضي آخر أسبوع من شعبان في العاصمة لتجسّد “تكريزة رمضان” في أبهى أشكالها.

“وطال المطال طال وطول”، ولكنه تغيّر وتحوّل عبر السنوات الأخيرة التي تمرّدت على العادات والتقاليد بعد فرضها الصعوبات المعيشية التي ألغت المصاريف الخارجة عن أولويات الحياة شاء من شاء وأبى من أبى.

“وفي قلبي حسرة ونظرة” بهذه الكلمات بدأ بائع الحلويات أبو محمد (65 عاماً) حديثه لتلفزيون الخبر، مضيفاً: “لطالما أكد الأجداد أن الأعراف لا تزول وخاصة إذا كانت عادات متوارثة تحوّلت إلى طقوس في الأعياد أو في شهر رمضان المبارك”.

وأكمل “أبو محمد”: “لم يأخذوا بعين الاعتبار ما يتعرض له المرء وما يفوق طاقته وقدرته في سوريا بعد كل الأزمات التي خنقتها وأوجعتها بدءاً بالحرب، وصولاً إلى التدهور الاقتصادي وما تركه من تداعيات، فلم يعد يرى المواطن أحبته يوم الجمعة بين الجَمعة”.

وتعتبر “تكريزة رمضان” من تراث الشهر المبارك، وكان للعاصمة الأولوية في هذا التقليد، وما لبث أن انتشر في باقي المحافظات السورية وبعض الدول العربية، فهي عادة متبعة لدى الأسر الدمشقية، يودعون فيها شهر شعبان ويستقبلون رمضان بفرح وامتنان.

وتساءل “أبو ياسر” (43 عاماً) الذي يعمل في سوق البزورية بدمشق: “ليش العالم قدرانة تاكل لتساوي تكريزة؟”، مردفاً: “هي نزهة للعائلات داخل المدن أو خارجها، منذ كنا صغاراً نتجمّع للسيران في مناطق خضراء تحوي مياه عذبة مثل عين الفيجة والربوة، نتناول الأطعمة ونمارس الألعاب الشعبية، ثم نعود إلى منازلنا بعد العصر”.

واستطاعت “تكريزة رمضان” جمع الفقير والغني على مر السنوات، على عكس الأيام الحالية التي تفرّدت بها العائلات المقتدرة مادياً والتي مازالت تستطيع أن “تمد قدميها على قد بساطها” تملأه التسالي من سكاكر وموالح وفواكه وخضراوات وحلويات، وبجانبه إبريق من الشاي الأحمر الخمير مع عروق النعناع”.

ولم يُعرف سبب تسمية “التكريزة” بهذا الاسم، ولكن فسّر البعض بأن هذه الكلمة تسفر على أنها فسحة الوداع لما لذ وطاب، ليذهب الإنسان بعيداً عن كافة مشاغل الحياة من أجل التلذذ في ملذاتها قبل البدء بالصيام المبارك في الشهر الفضيل رمضان الكريم.

وربما تحولت فسحة الوداع هذه إلى وداع لأجل غير مسمى لدى عائلة “دلع” (28 عاماً)، لصعوبة “تأمين الحاجات الأساسية في منزلها قبل التفكير ولو مرة واحدة بإحياء “تكريزة رمضان” مع تحضير منقل الشواء واللحم الذي بات حلماً صعب المنال بالنسبة لهم”.

ومثل كل الوقائع التي وجد لها السوري بدائل عبر طرق وأفكار من العدم لكي يحظى بلحظة سعادة واحدة، أكدت “دلع” لجوء “عائلتها إلى حل بديل عبر “فصفصة” البزر المتوفر في فسحة خضراء بـ “دوار البيطرة” بالقرب من باب شرقي أو على أراضي طريق المطار”.

وعند ذكر مطار دمشق، لابد من استحضار ما قاله المؤرخ للتقاليد الشامية منير كيال في كتابه “يا شام” الصادر عام 1984 أن “من عادات الدماشقة القيام بما يسمى تَكْريزة رمضان”.

“فقبل حلول شهر رمضان بيوم أو بيومين يقومون بسيارين (نزهات) الغوطة الشرقية أو مناطق الربوة والشادروان والمقسم والمنشار والغياض، كما أن الشباب يتحلقون حول شاب تبرع بوصلة غناء من الميجانا أو العتابا وأبو الزلف، وبعض المنولوجات الشعبية”.

وكان غناء الأحبة ولعبة طاولة الزهر من أولويات “تكريزة رمضان” مع الأصدقاء، ومن “المضحك المبكي” أن يعجز السوري عن ممارسة هذه العادات البسيطة التي كانت تُفرح قلبه هو وأسرته في كل يوم جمعة بعيداً عن تكريزة رمضان.

إلا أنه بات منهكاً ومتعباً من مسؤولياته التي أثقلت كاهله وجعلته يرمي زهره، مدندناً على أوجاعه: “آه لو لعبت يازهر” لعل الحياة تكون عادلة يوماً، وتعيده إلى الزمن الجميل.


كلير عكاوي _ تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى