العناوين الرئيسيةموجوعين

ثمانُ سنواتٍ على اغتيال وردةِ حمص..وكأنها البارحة في ذاكرة قصي طعمة “أبو روز”

تحت دخانٍ كثيفٍ منبعث من غليونهِ، وعينين حفرَ بهما الحزن ما استطاع، تحدّث قصي طعمة (أبو روز) عن خسارةٍ لحقت بروحه وحياته قبل ثمانِ سنوات عندما كانت المفخخاتُ تحصد حياة الأبرياء يومياً في مدينة حمص، وقيام إحداها باغتيال ابنته الكبيرة في حي عكرمة.

تعلّمتُ نوعا ًمختلفاً من الألم

“عايش لكنني لست على قيد الحياة”، يقول قصي لتلفزيون الخبر، “فالعيش والحياة مفوهمان مختلفان كلياً، حيث أنني أستطيع تحسين معيشتي لكن لا يمكنني تحسين حياتي، فالمعيشة هي الوجود الفسيولوجي للإنسان، بينما الحياة تنبع من داخله وهذا ما فقدته برحيل ابنتي”.

ويضيف أبو روز “بلا شك كل الخسارات مؤلمة، وعشتُ شخصياً تجربة فقدان الأب والأم والأخ، إلا أن فقدان ابنتي بحثٌ آخر بشكل كامل، حيث تعلمت نوعاً مختلفاً من الألم”.

كانت تشعر بشيء ما..

يحكي قصي بعض التفاصيل عن فترة ما قبل استشهاد روز وكما يصف ذلك مراراً باغتيالها، قائلا ً “لا أؤمن بالغيبيات لكن روز كانت تشعر بشيء ما سيحصل، حيث قررنا في فترة ما الانتقال للعيش في اللاذقية، فكانت تصر على التقاط الصور التذكارية مع صور الشهداء في قرية بيت ياشوط”.

وعن حادثة أخرى يقول “لم تستطع الدراسة في اليوم الذي سبق اغتيالها، حيث كانت على أعتاب التخرج وعانت من ضعف التركيز مع شكواها بعدم القدرة على حفظ المعلومات بشكل كبير، دون علمنا جميعاً أنها ستذهب للمادة الأخيرة ولن تعود إلينا”.

“أحبت الوطن بشكل كبير”، يضيف قصي، فهي من النادرين ممن تجرأ على ارتداء علم سوريا في يدها ورقبتها دون أي خوف من القنص الذي وجد حينها، مع تأكيدها لزملائها في عدة مرات على ضرورة المواجهة وعدم الخوف بقولها “يغتالون واحداً لكنهم لا يستطيعون اغتيال الجامعة”.

صمدت 7 أيام قبل الرحيل

يسرد قصي بشكل دقيق ومفصل كل ما حصل خلال فترة استشهاد روز وكأنها البارحة حسب قوله، مضيفاً “علمتُ بوقوع مكروه لابنتي لأنها لم تجب على هاتفها، فهرعنا إلى المشافي للبحث عنها دون أن نجد أي أثر لها”.

وتابع “وصلنا إلى مشفى الأهلي ورأينا أحد المصابين ممدداً على نقالة صحية بحالة حرجة جداً دون أن تظهر ملامحه، وبعد بحثٍ طويل دون جدوى، كان الإتصال الذي فجعني، فقد كان ذاك المصاب في مدخل المشفى هو روز ابنتي التي لم أتعرف عليها لشدة الإصابات”.

ويكمل أبو روز “ظن الأطباء أنها قد توفت، إلا أننا ادخلناها غرفة العمليات، وبقيت ابنتي تقاوم وتحاول العودة للحياة مدة 7 أيام كاملة، إلا أنها استشهدت بتاريخ 27/1/2014 وهو يوم عيد ميلادي”.

عندما نغلق الباب لا أحد يعلم ماذا يحدث

ممسكاً بلحيته البيضاء التي احتفظت ببعض السواد، يكمل أبو روز لتلفزيون الخبر “يقال أن الإبن جزءٌ من قلب الأب والأم لكنني أرفض هذا القول فالإبن عبارة عن قلبٍ كامل بالنسبة للأهل”.

ويتابع” مع خسارة روز فقدت قدرتي على الإحساس بالأشياء، وتلاشت عاطفتي وبت عاجزاً عن تقديم أي مشاعر حتى لابنتاي (رهف وريتا) وكل هذا لأنني فقدت قلبي بخسارة ابنتي، فتفككت أسرتي بطريقة ما، بعد أن كانت تنعم بحياة جميلة وطبيعية رغم الحرب، حيث تفرقنا رغم وجودنا معاً في المنزل، بسبب عنصر وركنٍ أساسي مفقود، وهو روز وكرسيها الذي بات فارغاً”.

ويشير إلى المارة على الطريق العام، ويكمل “قد أبدو مثلهم كشخص طبيعي ينتظر دور السكر والرز، وأمارس حياتي ظاهرياً إلا أنني لا أتمنى الجلوس وحدي ولو لثانية واحدة، لأنني عندما أغلق الباب على نفسي لا أعلم ما الذي يحدث”.

لم أضع صورتها في المنزل والزمن لا يساعد

تضيء شاشة جواله لتظهر صورة ابنتيه، ويثار فضول وسؤال عن صور روز فيرد قائلاً” لا أضع اي صورة لابنتي في المنزل، والشيء الوحيد الذي قبلت بوجوده هو العلم الذي لف به جسدها، لأنني لا أقوى على رؤية وجهها، لدرجة أنني لا استطيع لمس جوالي إن ظهرت صورتها صدفة”.

“الزمن لم يساعدني على النسيان” يضيف قصي، ففي السنوات الأولى من اغتيالها لم تغادرني صورتها ابداً ووصلت بي الأمور أن أصرخ طالباً منها تركي وشأني، ولولا المهدئات والأدوية لم أكن لأتحسن أبدا ً”.

مشبهاً الأمر بأقراص CD, يقول “يدور قرصان منهما في رأسي، أحدهما يدور بشكل طبيعي وأمارس معه حياتي الطبيعية، وآخر تَشغَله روز طوال الوقت لا ينطفئ في مخيلتي”.

وعن مقدار الألم النفسي الراهن، يكملُ قصي “قد تمر فتاة بالعمر نفسه أو تشبهها برائحة العطر وشكل قصة الشعر وطريقة المشي وهو ما يجعل النسيان مستحيلاً، فالذاكرة جمر يحرق القلب، ولهذا لم أعرف مكان دفنها ولم أطلب أو أسأل ذلك لأنني لا اجرؤ ولا أقوى على زيارتها”.

أعوام في الشارع أخاف دخول المنزل

“فقدانها أكبر من أن يتحمله قلبي”، يحكي قصي عن فترة عصيبة مر بها ما بعد استشهاد روز، قائلاّ “خسرت الكثير من الممتلكات الخاصة ولم أحزن ابداً فقد كان همنا الوطن فقط، إلا أن فقدان ابنتي روز كان أكبر من أن يتحمله قلبي”ّ.

وبصمتٍ محيطٍ مطبقْ يكمل أبو روز “بقيت مدة عامين في الشوارع ولم أستطع الدخول إلى المنزل مهما كانت ظروف الجو من حر وبرد وعواصف، لأن كل شيءٍ كان أهون علي من تقبل تلك الخسارة”.

وغير متردد في البوح، يردف “قصدت الأطباء النفسيين وتناولت العقاقير المهدئة التي لم أكن لاعيش بدونها، ولا يعني ذلك ابداً أنني ضعيف، إلا أن لعالم المنطق قوانين وللعاطفة قوانينها، فهما عالمان مختلفان لم أفهمهما إلا بعد خسارة روز”ّ.

هدمت المنزل هرباً من الذكريات ولم أستطع

يقول قصي لتلفزيون الخبر “كرهت المنزل وقررت بيعه، هرباً من جحيم الذكريات إلا أن عائلتي والأطباء والأصدقاء أقنعوني بالتريث، واللجوء إلى تغيير الديكور كي يخف تأثير الذكريات ولم أستفد شيئاً لأن صورة روز في روحي وذاكرتي”.

“هادا صالون بيتي”، يسرد قصي لتلفزيون الخبر “حكاية مقهى صغير من طابقين، في شارع فرعي بحي كرم اللوز، محتضناً عدة فعاليات ونشاطات فنية وموسيقية وذلك بعد تأسيس مشروع خوابي الذي هدفت منه حينها إلى إعادة لم شمل مختلف الأحياء في المدينة بعد قطع التواصل بينها نتيجة الحرب عام 2014”.

قائلاً “أسست عدة مشاريع ثقافية في مدينة حمص كمشروع خوابي، وعدد من المعارض الفنية إضافة لحزب البيئة السوري والذي كانت روز شريكتي فيها كلها، لما كانت تتمتع به من اتقاد وفطنة ونشاط”.

وعن أهميته، يضيف “تحول المقهى إلى مجتمعي وعالمي المصغر يأتي إليه أصدقائي من مختلف التوجهات بهدف الحفاظ على أنفسنا في هذا الواقع الرديء، إضافة للطلاب الراغبين بالدراسة، علما ً أن الخدمة ذاتية ودفع الفاتورة كيفيّة فمن لم يستطع ذلك لا مشكلة على الإطلاق”.

ما قبل الحرب وما بعدها

ويحكي قصي لتلفزيون الخبر رؤيته لبعض التفاصيل وانعكاساتها خلال الحرب وما بعدها، قائلاً” كنا نطفئ صوت النشيد الوطني إن عزف على التلفاز، إلا أننا بتنا نخشع الآن لسماعه، وما أقصده أننا طويلاً ما عشنا في الوطن إلا أن الحرب جعلته يعيش فينا وهذا ما شعرنا به بعد أن كدنا نخسره”.

ويتابع قصي” العلاقة الصحيحة أن يعيش الوطن في قلب المواطن والعكس صحيح، وهو ما يفترض بنا أن نربي عليه الأجيال القادمة بأن الوطن ليس للإستثمار بل حالة عاطفية ووجدانية وإنسانية”.

علّها تعود..ما زلت أترك باب المنزل موارباً

“استشهدت يوم عيد ميلادي”، يتحدث قصي عن مصادفة مؤلمة ظهرت في عينيه وهو يعاودُ إشعال الغليون، فقد رحلت ابنتي عن العالم في يوم عيد ميلادي الذي بتّ ألعنه لأنه أصبح يوم قهري الدائم”.

وأشبهَ بنداءٍ خفيّ يوجهه، يختمُ قصي لتلفزيون الخبر “لم أقفل باب منزلي منذ ذلك الحين رغم كل ما حصل في المدينة، وهذا ما يعرفه كل المحيطين بي، وما زلت أترك باب البيت موارباً فلعلّك تعودين يوماً يا روز”.

dav
dav

dav
dav
dav

عمار ابراهيم _ تلفزيون الخبر_ حمص

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى