العناوين الرئيسيةثقافة وفن

الموشحات الأندلسية.. فن غنائي فريد وشحّه السوريون بزيّ خاص

تعتبر الموشحات الأندلسية فنّاً له فلسفة خاصة به، ويعتمد على قواعد تقنية تبتعد عن بحور الشعر المعروفة، تمتزج فيها الفصاحة مع المفردات العامية بوضوح، وقد تأثر فيها الشعراء العرب بالأغاني الإسبانية الشعبية المتحررة من الوزن والقافية وسهولة الكلام الذي يسر الغناء والتلحين للموشحات الأندلسية.

والموشحات من القوالب الغنائية القابلة للغناء الجماعي الذي يظهرها بصورة أبهى وأكثر جمالية وقبولًا وطربًا من الشعر العربي المعروف، وأكثر قابلية للتداول والتوارث والتحول إلى تراث، ولذلك يصعب في كثير من الأحيان معرفة من الملحن الأصلي للموشح الأندلسي المتداول حتى اليوم.

وبحسب ما ذكر الدكتور أحمد هيكل في كتاب “الأدب الأندلسي” فإن “كلمة موشح أو الموشحة مشتقة من الوشاح، وهي حلية ذات خيطين يسلك في أحدهما اللؤلؤ، وفي الآخر الجوهر، أو هو رداء عريض مرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحها.
والثوب الموشح هو الثوب المزين، فالفكرة إذن هي فكرة التجميل المنوع المعتمد على التقابل، وهكذا الموشح أو الموشحة، تزدان بالقوافي المنوعة والأوزان المتعددة، ولكن مع التقابل في أجزائها المتماثلة”.

يُفتتح الموشح بـ”المطلع” ويختتم بـ”الخَرجَة”، والتي تكون باللغة العامية، أما جسد الموشح فإن كل بيت فيه يتكون من مجموعة من الأشطار تسمى “غصن” وفيها تختلف القافية من بيت إلى بيت ولكنها تتحد في البيت نفسه، ومجموعة أخرى من الأشطار تسمى “القفل”، وهذه تتحد قافيتها في جميع الموشحة.

وبهذا استطاع الموشح أن يجمع بين حرية التنوع في قافية الأغصان وبين الالتزام في قافية الأقفال.

كانت بداية ظهور الموشحات في فترة حكم عبدالله بن محمد الأول أواخر القرن الـ9 الميلادي، وبسبب ازدياد الاحتكاك بين العرب والإسبان في المجتمع الأندلسي، ظهرت حاجة ملحّة لوجود نتاج أدبي يجمع بينهما، فكانت الموشحات باللغة العامية أو ما يطلق عليها “الشعر الشعبي”.

جمعت الأشعار بين الألفاظ العربية والألفاظ “الرومانثية”، لغة الإسبان عند قدوم العرب إليهم، واستمر الحال على ما هو عليه حتى عهد ملوك الطوائف حيث تم اعتماد اللغة الفصحى للموشحات واللغة العامية للزجل.

و كان لقدوم الموسيقي “زرياب” من بغداد إلى قرطبة الأثر الكبير في تعلّق الأندلسيين بالغناء والموسيقى، فعملوا على استحداث نوع جديد من الشعر لمواكبة الموسيقى، لذا فإن أساس الموشح هو النَغَم والتلحين ومن ثم توضع الكلمات بعد ذلك طبقًا لهذه الأنغام.

جاء أول من وضع فن الموشحات، من مدينة قَبرة بالقرب من قرطبة، وهو مقدّم بن معافى القَبْري، وتختلف الروايات في كيفية اختراعه لأولى الموشحات، فيقول المستشرق الإسباني” جوليان ريبيرا” أن مقدّم القَبْري قد تأثر ببعض الأغنيات الجلِّيقية حيث كانت معظم البيوت الأندلسية تضم نساء من جلّيقية، وكانت لهن أغنيات خاصة يرددنها في الأفراح وللأطفال الصغار”.

بينما تقول الروايات الأخرى أن الموشحات قد أُخذت من الأغاني الشعبية الأندلسية المحلية، ومن النساء عرفت “أم الكرم بنت المعتصم” بأنها أول شاعرة أندلسية تسهم في تأليف الموشحات.

أحد أهم الأسباب التي حافظت على هذا التراث من الاندثار والاختفاء هو انتقالها إلى بلاد المغرب العربي ومصر وبلاد الشام قبل سقوط الأندلس، مما حافظ عليها وطورها، لتبقى فنًا عربيًا أصيلًا ليس فيه عناصر دخيلة من الشرق أو الغرب، وتحتوي على كنوز من المقامات والأوزان والجماليات الموسيقية.

ما يجعل أداءها حكرًا على الفنانين المقتدرين غناءً وعزفًا حتى زماننا الحاليّ، ورغم التطوير الذي أدخله بعض الموسيقيين على الموشحات، فإنها حافظت على روحها الخاصة ونكهتها المميزة، حيث إن المستمع العادي يميزها فورًا حال سماعها.

وصلت الموشحات إلى بعض الموسيقيين العرب أواسط القرن الـ19 فطوروها وأنتجوا موشحات جديدة عرفت بإيقاعها الرخيم الهادئ وكلماتها القوية التي تقترب من الموشحات الأندلسية الأصل.

كما انتقلت الموشحات إلى الأوساط الشعبية وظهر عدد من الفنانين الذين أضافوا الكثير إلى هذا الفن، كان من أشهرهم سيد درويش في مصر الذي اشتهر بغنائه للموشحات وإبداعه فيها ويعد آخر من ألف الموشحات.

ولذلك لم يحدث تطور بعده في هذا الفن ولم يألف أحد بعده موشحًا آخر، فتوارى فن الموشحات الأندلسية فترة من الزمن حتى أعيد غناؤه مجددًا بصفته مادة تراثية ليعود تألقه من جديد على الساحات الفنية.

وفي سوريا كان للموشح شأن كبير على يد عدد من الموسيقيين الذين أبدعوا فيه منذ عشرات السنين، وبشكل خاص على يد موسيقيين كبيرين هما أحمد أبو خليل القباني في دمشق، وعمر البطش في حلب.

وأشار الموسيقي السوري الراحل “سهيل عرفة” في أحد لقاءاته إلى أن “معظم ملحني الموشح في سوريا استفادوا من القالب الشعري للموشح الأندلسي إلا أن معظم الموشحات الملحنة في سوريا كانت لوشّاحين سوريين إلا ما ندر، مثل موشحي (أيها الساقي) و(إليك المشتكى) لابن زهر الأندلسي”.

وأكد أن “الموشحات السورية المعروفة اليوم تحت اسم الموشحات الأندلسية لا تمت إلى الموشحات الأندلسية القديمة لحنياً بأي صلة، والصبغة المشرقية للموشح الحلبي المتوارث حتى اليوم تبدو واضحة ومختلفة عن روح الموسيقا الأندلسية التي نسمعها في النوبات المغربية والمألوف التونسي والغرناطي الجزائري”.

وأضاف عرفة “وتميزت الموشحات الحلبية باقترانها برقص السماح الذي كان يعتبر رقصاً دينياً يؤديه الرجال فقط، حيث شهد تطوراً كبيراً على يد عمر البطش الذي أدخل عليه العنصر النسائي ناقلاً إياه إلى نوع من الرقص الدنيوي المحتشم والنظيف”.

ويتميز الموشح السوري عن الأندلسي بثلاثٍ صفات، على مستوى النَّظم: كانت الموشحات الأندلسية تتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له الأقرع، إلا أن الموشحات السورية لم تلتزم بهذا النظام تماماً، فجاء عدد المقاطع أقل في أغلب الأحيان.

فهي تتألف من دور أول ودور ثانٍ، وربما دور ثالث وخانة وغطاء في الغالب، وهذا النظام كان مميزاً للموشح السوري، واستعمل السوريون الأوزان الشعرية الجديدة غير المألوفة في الموشح الأندلسي، الأمر الذي انعكس على استعمال ما يناسبها من المقامات والنغمات.

أما على مستوى الاصطلاح: فإن تطور المصطلحات الدالة على أجزاء الموشح كان على يد الموسيقيين والملحنين المشارقة، ولاسيما في سوريا، فبعد أن كان المقطع الأول يسمى القفل والثاني البيت والثالث الخرجة، أصبح ترتيب أجزاء الموشح السوري غالباً يتألف من دور أو اثنين أو ثلاثة ثم خانة وغطاء.

وعلى مستوى اللحن: تميزت الموشحات السورية بكونها أكثر فناً وصنعة، والأدوار في الموشحات السورية يتطابق لحنها، وهي تُطابق لحن الغطاء، وتأتي الخانات من مقامات منسجمة مع مقامات الأدوار.
ويحصل فيها التنقل بين النغمات والمقامات بشكل واسع، وكل خانة تخالف لحن أختها لتؤلف في مجموعها قطعة فنية غاية في الترابط والتناسق، تدل على الحذق وتمام الإتقان.

وكمثال على التنقل بين النغمات والمقامات في الخانات خانة الموشح المشهور موشح (حسنك النشوان) لعمر البطش.

ولا يمكن إغفال أنه كان للسيدة فيروز دور كبير في تقريب هذا الفن الغنائي المميز إلى الناس وتوسيع قاعدة جمهوره، حين غنت عدة موشحات مثل “إرجعي يا ألف ليلة”، “ياغصن نقا” ، “لوتعلمين”، “حجبوها”، والعديد غيرها، بصوتها الذي لطالما كان سفيراً وصلة وصل بين الأزمان.

يذكر أن انتقال الموشحات الأندلسية إلى سوريا جاء بطريقتين، الأولى مع هجرة العرب الأندلسيين إلى سوريا عبر أوروبا وتركيا وحملت معها فن الموشح الأندلسي، والثانية بوساطة الشيخ محي الدين بن عربي الذي ولد في مرسية بالأندلس عام 1164 وهاجر منها إلى سوريا، ولايزال لهذا الفن جمهوره الخاص.

رنا سليمان _ تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق