مقهى الفرح التراثي.. حيث تشرب حمص قهوتها مع التاريخ


بنظرات حادة تظهر خلف الدخان، يتمعن مؤتمن رجوب فحمات الأركيلة المتوهجة، ويعيد تموضعها على الرأس الفخاري لتنعكس على مذاقها بشكل “يعبي الراس عالتمام” رفقة “كُباية” شاي خمير.
في قلب حمص، وعلى مرمى حجر من ساعة حمص الجديدة الظاهرة لكل من حظي بكرسي خشبي قرب الطريق العام، تتنفس جدران مقهى الفرح تاريخاً حمصياً عريقاً، جمع الأدب والفن والمسرح والنضال على مدى أكثر من قرن كامل.
جامع أمين لجميع فئات المجتمع
ظل مقهى الفرح التراثي جامعاً أميناً لمختلف فئات الشعب، مضيفاً إلى طرافة الحماصنة صبغة التفاؤل المستمر حتى في أحلك الظروف، فكان اسم المقهى “حفر وتنزيل” على أصحاب النكتة الدائمة وملوك يوم الأربعاء.
وعلى أصوات النرد المسموعة بوضوح، تنتشر عشرات الطاولات الخشبية المغطاة بقماش ريفي خمري اللون، مألوف الشكل والملمس، إضافة للكراسي التراثية المعقودة والملتفة بخبرة الأجيال السابقة.
وتحول المقهى منذ بناء أولى أحجاره البازلتية الى ملاذ لكل من أثقلت الحياة تفاصيل يومهم، من رجل وجد راحته بكأس شاي خمير، وشبان تحدوا بعضهم على “برتية تركس” أو صديقين قديمين يرغبان بالفضفضة بعد الانتهاء من تحدي “المحبوسة”.
تفاصيل تحكي عمن مروا هنا
ولجدران المقهى حكايات وتفاصيل تكاد تتكلم وتفعل أحياناً، فالصور المنتشرة لكبار رموز العدية تملأ المكان وتحكي ما لم توثقه الكاميرات، من الأجداد والمناضلين والأدباء الذين مروا من هنا وبقيت تحكي قصصهم بعد رحيلهم.
والتراث هنا حاضر بأدواته وتفاصيل الحياة عندما كانت بسيطة كبساطة أهل المدينة، من مذياع تراثي قديم، وعشرات من دلّات القهوة النحاسية والسيوف والقناديل وغيرها الكثير.
أكثر من مشروع تجاري
في حيز جغرافي صغير نسبياً، كبير بحجم ضحكات الحماصنة، تستقبلك ابتسامة مصطفى طعمة وعماله، ممن عاشوا في المقهى أكثر من منازلهم، ليقدموا لك “نفس أركيلة” أو فنجان قهوة، فترمي همومك على العتبة وتخرج فلا تجدها.
يقول مصطفى طعمة لمنصة الخبر إن: “المقهى الذي حفظ خطواتنا ثبت مكانته لدى أهالي حمص وزوارها، وأصبح في وجدانهم أكثر من مجرد مقهى لشرب الشاي والقهوة، بل أصبح يمثل هوية وركناً من معالم المحافظة بشكل عام”.
ويضيف “طعمة” أن: “المقهى ظل محافظاً على طابع القهوة الشعبية القديمة باستثناء بعض الأعمدة التي دُعمت بعد التقدم العمراني وبناء طابق آخر، وما دون ذلك بقي دون إدخال أي تعديلات تمس الطابع التراثي”.
عمر يمتد لأكثر من قرن
وعن تاريخ مقهى الفرح بين مصطفى إنه: “يعود لأكثر من 100 عام وتحديداً منذ عام 1900 حسب ما كان يرويه والدي، حيث يعود تاريخ بنائه لفترة الحكم العثماني وازداد أهميته خلال فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا، إذ كان الثوار يجتمعون هنا للتباحث في أوضاع الثورة والبلاد”.

ويتابع مصطفى لمنصة الخبر أن: “المقهى يجمع كل طبقات وفئات المجتمع، بدءاً من المثقفين والمهندسين والأطباء وحتى المسافرين إلى القرى في الأرياف، وحفظنا وجوه المارين هنا عن ظهر قلب حتى بتنا نسأل عن أحدهم في حال لم يأت إلى المقهى”.
ويكمل مصطفى أن: “المقهى كان يضم سابقاً صالة سينما الشرق ومسرحاً أديت على خشبته مسرحيات تعود حتى عام 1922، كما زارت المقهى فرق موسيقية وفنية من مختلف البلاد العربية”.

وتحدث مصطفى عن سبب تسمية المقهى، مبيناً أنه عندما كان مشهوراً بإسم مسرح الشرق أحيت فيه عدة حفلات من قبل مطربة تدعى فرح واشتهرت بصوتها الجميل حتى لقب المقهى باسمها.
متنفس الأهالي من مختلف الفئات

يقول “مؤتمن رجوب” وهو من مرتادي المقهى لمنصة الخبر: “كنا نأتي منذ الصغر إلى هذا المقهى وظل وجهتنا الأساسية مع مرور الوقت وتقدم السنين، لاسيما أن منزلنا في حي الحميدية القريب نسبياً، فكانت العائلة تأتي بالاضافة إلى كل فئات المجتمع، حتى أصبح متنفساً للمدينة والريف على حد سواء”.

وعلى مقربة منه، يضيف “رامي عبد الجليل” أنه اعتاد المجيء منذ سنوات طويلة “كحال المئات من محبي المقهى التراثي الذي أصبح جزءاً من حياتنا، يجتمع فيه مع الأصدقاء يومياً، بالإضافة إلى أنه أصبح محطة استراحة لسكان الأرياف”.
أما “خالد خطاب” قال لمنصة الخبر أنه يزور مقهى الفرح منذ عام 1990 بشكل مستمر، تارة للعب الشدة مع الأصدقاء أو شرب الشاي مع نفس الأركيلة، إذ أن “كل شيء هنا مميز، الطابع العمراني وبساطة الناس وكبار السن وروح التفاؤل المسيطرة دوماً على الحاضرين”.
يشار إلى أن مقاهي حمص القديمة والتراثية تعتبر بمثابة الذاكرة الحية للمدينة، حيث لم تكن مجرد أماكن لشرب القهوة والتسلية، بل شكلت صالونات ثقافية وسياسية ومساحات اجتماعية جمعت الأدباء، الشعراء، والمثقفين الحماصنة على مدار أكثر من قرن.

الجدير بالذكر أن مدينة حمص لا تزال تحتفظ بالعديد من المقاهي التاريخية كمقهى الروضة وخان القيصيرية وغيرها، لتكون أكثر من مجرد استراحة بل ذاكرة مدينة وشاهداً حياً على تحولاتها السياسية والأدبية والفنية.
عمار ابراهيم – الخبر- حمص



