لا كيماوي بعد اليوم.. حكاية ماريّا الطفلة المحاربة التي هزمت السرطان

مرتدية طرحة العرائس الجميلات، ولم لا، فهي أحلاهن وأقواهن، ومن غير ماريا يملأ منزل والديها بالفرح بعد أوقات عصيبة مرت عليهما و على جسدها الصغير في رحلة العلاج من سرطان الغدة الكظرية.
أما القوس المتوضع على رأسها، زهري اللون على شكل ورود، فقد أخذ شكل التاج ليثبّت الطرحة بإحكام، فتطير خلفها بحرية كلما ركضت في أرجاء المنزل، وتحلق من خلفها ابتسامات عائلتها بأكملها.

مسامحها بكل شي المهم ضحكة آخر العنقود

ربما لا تعلم الطفلة ابنة العامين وآخر العنقود مرارة ما عانته العائلة، وما كابدته من تعب وسفر كرمى لعينيها، وقد تفعل ذات يوم عندما تسمع ما فعله لأجلها أب رأى النور من ابتسامتها، وأم لم تذق طعم النوم حتى انهار جسدها مرات عدة في المستشفى خلال فترة علاجها.
“مسامحها وما بدي ياها تعرف شو تعبنا مشانها”، يؤكد سمير المحمود في حديثة لمنصة الخبر أن كل ما بذله خلال 9 أشهر من أجل ماريا لا يذكر، ولا يريد أي شيء من هذه الحياة إلا ابتسامتها رفقة أبنائه، فهي “الضنى ومهجة الروح وآخر العنقود”.

250 إبرة التهاب خلال 14 يوم
“من الموت إلى الحياة” تحدث سمير عن رحلة أخذت من روحه أكثر ما فعلت بجسده، وعاش أياماً لا يتمنى لأحد أن يعيش بعضها، لاسيما 14 يوماً تلقت خلالها ماريا 251 إبرة التهاب غرزت في جسد ابنته وروحه أيضاً.
وكلوحةٍ من فيلم رعب مؤلفة من مسافة تقارب المترين، يفردُ سمير على أريكة الصالون مئات الإبر والسيرومات وعبوات الدواء التي دخلت جسد ماريا، مضيفاً أن هناك المزيد منها لكن أكثر ما يذكره جيداً تلك التي تلقتها فترة الأربعة عشر يوماً.
“حالف بدي أحرقها كلها” يؤكد سمير، على الرغم من أن مفعول تلك الأدوية لم يؤذ جسد ماريا أو هكذا بدا له، إذ أن طفلته لم تبك أو تعاني ظاهرياً، فكان الدواء كالمسكنات التي ترسلها إلى النوم، وكأن السرطان غير موجود.
وحصلت المعجزة
“معجزة بكل ما يعنيه كل حرف” يكمل سمير حديثه عن الوحش الشرير الذي تجرأ على جسد ماريا، فقد تقلص من كتلة بقطر 14 سم إلى 1.2 سم، وكانت متكلّسة ومتليّفة ومتمّوتة وجدرانها خالية من السرطان ليجري بعدها عملية جراحية لمدة ساعة ونصف.
يعود ويمسك عشرات صور الأشعة لماريا وينظر إليها بابستامة المنتصر، ويشرح كيف وصلت الكتلة إلى أجزاء واسعة من جسدها الصغيرة، حتى كادت تصل الكبد لكنها لم تفعل.
الخبر الذي حوله إلى رجل عاجز عن القراءة
يقلّب بين يديه مئات أوراق التحاليل التي حولته إلى ممرض خبير حسب تعبيره، حيث وصلت كمياتها إلى “شوالات”، تدل على خضاب الدم والصفيحات الدموية وغيرها من النسب المئوية التي كانت تتحسن حيناً وتسوء حيناً آخر، حتى الوصول إلى النتيجة التي حولته إلى رجل عاجز عن القراءة من شدة الفرح.
“لا يُشاهد لا يُشاهد لا يُشاهد” يعود سمير بذاكرته إلى فترة استيعاب صدمة الفرح بخلو جسد ماريا من أي بقايا للسرطان، ويعدد الأسطر الواضحة في التقارير الطبية حول شفاء آخر العنقود.
صبر أيوب على هيئة أم
أما علا، صبر أيوب على هيئة أم، تهز طفلتها بيمينها لتنام، بعد أن ظلت لأشهر طويلة ترافقها في المستشفى ليل نهار، صباح مساء دون كلل أو ملل، حتى وصلت حافة الانهيار والعجز عن الوقوف لاسيما خلال فترة الأربعة عشر يوماً.
وبعد محاولات عديدة لمنع دموعها من الخروج مستعينة بعبارات الحمدلله، جاء استسلام علا على شكل دمعتين فقط عند الوصول إلى التاريخ الذي طال انتظاره بعد يقين ممتزج بالخوف.
التاريخ المنشود

“10-26ماريا طابت من السرطان” جملة قالتها علا بداية فيديو عفوي صورته رفقة سمير وابنتها مريم ونشرته إعلان انتصار ابنتها على السرطان، وهو التاريخ الذي أعاد الروح إلى منزلها تكمل علا، حتى أنها عجزت عن البقاء في مكانها ورغبت بالمشي والركض فرحاً.
“الله بجبر بخاطرها وخاطرو”، لا حاجة للكثير من الكلمات عن تعاضد سمير وعلا خلال الأزمة التي مرت عليهما، فالنظرات كفيلة بشرح واختصار كل شيء، ليتبادلا المقولة ذاتها “نعم الأب والزوج نعم الأم والزوجة”.
العائلة الكبيرة والكادر التمريضي

أما عن دور العائلة الكبيرة فكان عامل دعم نفسي كبير خلال رحلة العلاج تقول علا، بدءاً من عفراء الخالة الحنون وليس انتهاء بالعم محمود الذي بكى فرحاً عند رؤية نتيجة الشفاء، وزوجته سمر التي كانت تتولى الطبخ والاهتمام بأطفالها الأربعة.
وللأطباء والممرضين وكل كادر مشفى الفيحاء شكر كبير على إنسانيتهم الكبيرة يضيف سمير، إذ أنهم عاملوا ماريا كابنة لهم، ولم يبخلوا بأي جهد ممكن، وتعاطفوا مع حالتها بشكل لا يصدق.
تنام بعد أن تفحصت وجه والدتها

ممسكة بوجنتي والدتها، تتفحص الشامات بعناية، حتى وإن كانت قد وصلت إلى عالم أحلامها منذ زمن، فالحليب المنسكب من العبوة لا يصل معدتها بأمان دون أن تتحسس ماريا بشرة الأم الحنون.
وقبل أن نغادر منزل عائلتها بعد توزيع القبلات على يديها ووجنتيها، يصر سمير على توضيب عشر قطع من الشوكولا مرفقة بإسم ماريا وتوزيعها على كل من نصادفه، مع دعوات الصحة والسلامة لجميع أطفال العالم وأمل بأن يكون سواد الحلوى انعكاساً لمذاق لذيذ لا لرحلة علاج من أي مرض.
عمار ابراهيم – الخبر- حمص



