العناوين الرئيسيةع البال

محافظاً على أسرار المحافير والسكاكين.. بلال كسيب ومهنة ترويض المعادن في حمص

بين لهيب النار وقسوة المعدن، تطوّع أصابع “بلال كسيب” قطع الحديد، وتشحذ أطراف سكاكين جديدة تقطع كالسيف، أو أخرى مستعملة أكل عليها الزمن وشرب، ليصنع من بقايا الصفيح أدواتٍ عاشت وما تزال في كل بيتٍ حمصي.

من قلب السوق المسقوف يروي أبو صهيب لمنصة الخبر تفاصيل هذه المهنة التي يراها البعض شاقة، لكن ليس بالنسبة له،هي بالنسبة له أسلوب حياة عاشها وكبر عليها، فهي الهوية والذكريات ومصدر الدخل.

وفي سوقٍ قاوم النسيان، سوق النحاسين وسط حمص القديمة، بقي بلال صامداً بوجه الزمن، يكسب رزقه خلف سندانه ليصارع مطرقة الحياة وصعوباتها الكثيرة التي دفعت الكثيرين للبحث عن أعمال أخرى تعود بالكسب المادي الأعلى.

 

ظل بلال أكثر من أربعين عاماً يعاند الزمن في دكانه الصغير، ليجلس الرجل الستيني كل يوم محاطاً بصفائح النحاس والتوتياء والحديد، وتتوزع حوله ما أنتجت يداه وبرعتا فيه.

 

وعلى أحجار حمص البازلتية السوداء يشحذ بلال ويصلح الأدوات المعدنية مثل السكاكين، والفؤوس، والمناجل والأدوات الزراعية والصناعية باستخدام حجر الجلخ الكهربائي.

 

“لم يكن تطويع المعدن القاسي أمراً هيناً أو جاء بالصدفة” يقول بلال، بل تختبئ وراء كل ضربة مطرقة وخيط شرار سنوات طوال، بدأت منذ سنوات الصغر وتحديداً بعمر العاشرة، عندما كان يسارع للقدوم بعد انتهاء المدرسة مرافقاً والده في رحلة تعلم مهنة العمر.

وبشكل واضح، تركت السنوات آثارها عبر خيوط الزمن على يدي أبو بلال، حاله كجميع زملائه، محاولاً إبقاء شعلة مهنةٍ ولدت في رحم التراث السوري، وتوشك اليوم على الانطفاء رفقة الكثير من المهن، وهو ما يحاول منعه حتى آخر يوم له في هذا العمل.

 

أما العينين فاستسلمت إحداهما لتأثير الشرار المتطاير من قرص الجلخ المتوضع أمامه، لكن “ذلك من صلب ومخاطر العمل، بالإضافة إلى الضرر الناجم عن استنشاق هباب الفحم” يكمل الحرفي الحمصي.

“للجلوس الطويل آثاره الجانبية أيضاً” يقول بلال، لكن لكل من هذه المصاعب حل وعلاج، إذ أن القطرات الطبية حاضرة دوماً لعلاج العين من أي نترات حديدية، بينما لا يوجد أي حل للجلوس الطويل، حيث اعتاد الجسد هذا الحال الذي مضى وسيمضي بالتحايل، يضيف مازحاً أبو صهيب.

 

ويشير بلال لمنصة الخبر إلى أن الطلب على هذه الأدوات تراجع بشكل ملحوظ مقارنة مع الماضي، في زمن كان كل شيء يعتمد على اليد والجهد العضلي كالمنجل على سبيل المثال، أما الآن فقد غزت الآلات التكنولوجية سوق العمل، ليبقى الطلب على بعض القطع المنزلية كالمقصات والحفارات والسكاكين

 

 

ورغم أسفه لعزوف الكثير من أبناء معظم العاملين بالمهن التراثية وتوجههم لممارسة الأعمال المرتبطة بالتكنولوجيا كما هو الحال بالنسبة لابنه، يؤكد بلال أن الحياة مستورة بفضل هذه المهنة، مهنة لم يتعلم غيرها ولن يفعل، وهي التي أصبحت جزءاً من هويته المعنوية والهوية البصرية لحمص القديمة أيضاً.

عمار إبراهيم – الخبر – حمص

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى