يدٌ واحدة لا تصفق لكنها تصنع أطيب مونة.. حنان طعمة قصة نجاح ملهمة

بأصابع يدها اليسرى، بعد أن تخلت عنها اليد اليمنى منذ ولادتها، تُعيد “حنان طعمة” ترتيب تفاصيل طاولتها في بازار محلي ضمن مدينة حمص، تماماً كما أعادت تريب الحياة اليومية في مطبخها الصغير في ريف حمص الغربي.

ومع مرور الايام، تحول هدوء تلك اليد الساكنة إلى دافع لتبدع بالأخرى، بل وتجعل منها مصدر رزق يعيلها وأطفالها لمواجهة ظروف الحياة القاسية التي تراكمت بعد رحيل زوجها منذ سنوات.
لم تكن إصابة (أم جورج) بخلع ولادي في يدها اليمنى حاجزاً أمام رغبتها بخوض التحدي على الرغم من صعوبته، فهناك من خلفها أربعة أطفال يستندون على ابتسامتها أولا وكلتا يديها ثانياً،حتى وإن كانت إحداها ضعيفة.
لا تزال كلماتي أمي ترافقني “أنت متميزة”
تبدأ حنان حديثها لمنصة الخبر بالتطرق إلى صعوبة الحياة بعد وفاة زوجها بمرض السرطان، إذ أصبحت المعيلة لأطفالها وحماتها المعمرة أيضاً، وهو ما رفع سقف التحديات.
وقالت حنان إن “بداية حكايتي مع صنع المونة كانت من خلال إخوتي، حيث كانوا يطلبون مني إعدادها رغبة منهم بمساعدتي تماماً كحال جيراني الذين أعجبوا بما أصنعه، لأقوم لاحقاً بعرضه على الانترنت رغبة مني بالاستفادة من هذا الفضاء بالتسويق لعملي”.
وتابعت حنان: “رغم إصابتي بخلع منذ ولادتي في يدي اليمنى إلا أنني استطعت تجاوز هذا الأمر والتعويض باستخدام يدي الثانية خلال العمل، وأقول بكل أمانة أن الفضل في هذا يعود لأمي وهي التي كانت تقول لي دوماً أنني متميزة عن الجميع”.
البداية من خمسين كيلو باذنجان

روت حنان لمنصة الخبر إن بداية مشروعها كانت عبر خمسين كيلو من الباذنجان، ثم توسع العمل ليشمل جميع أصناف المونة وحلويات الأعياد أيضاً، بالإضافة إلى مختلف أنواع الكبب والمعجنات وغيرها.
وأضافت السيدة المنحدرة من بلدة الحواش: “أتمنى أن يتعرف أكبر عدد من الناس على منتجاتي كي أستمر برعاية أطفالي الأربعة، وأن أجد الدعم الكافي لجعل مشروعي أكبر وأشمل وعلى نطاق أوسع من حيث الأصناف والكميات”.
المكدوس والزيتون على رأس القائمة
تقول حنان أن مونة المكدوس والزيتون تأتي في رأس قائمة المنتجات التي تطلب منها كل عام، وهي بطبيعة الحال الشغل الشاغل لمعظم السوريين، بالإضافة إلى أنواع المربيات والدبس وورق العنب والملوخية وغيرها.

وعن طريقة إعداد المكدوس قالت حنان: “أحرص على شراء أفضل الأنواع وأوصي بذلك إحدى العائلات المختصة بزراعة الباذنجان، ليتم بعدها غسله وسلقه ووضعه في مكبس خاص، وبعد أن ينشف تماماً يصبح جاهزاً للحشي”.
وتابعت: “بالإضافة إلى ذلك أكون قد جهزت مسبقاً كميات الفليفلة بعد أن أغسلها جيداً وأعرضها لأشعة للشمس فترة مناسبة كيف تنشف بشكل كامل، ومن ثم أطحنها وأضيف الزيت والملح ليشتريها جاهزة كل من يرغب بحشي الباذنجان في منزله”.
وأشارت حنان إلى أن بعض الزبائن يرغبون بشراء المكدوس جاهزاً، فمنهم من يرغبه بالجوز والآخر بالفستق، لأقوم بتلبية طلباتهم وصنعه بأفضل طريقة تحضير ممكنة، وتوضيبه في مرطبانات مناسبة.
والأمر نفسه ينطبق على مونة الزيتون تردف حنان، حيث أشتريه بنوعية ممتازة وأقوم برصه عبر “دقاقة” خشبية وأكرر غسله بالماء والملح لمدة ثلاثة أيام كي تزول عنه الطعمة المرة، ولاحقاً في المرحلة النهائية أضعه في مطربانات مليئة بالماء بعد إضافة الليمون والفليفلة وطبقة من الزيت في الأعلى ليصبح جاهزاً للاكل بعد نحو عشرة أيام”.
متعب لكنه ضروري
لا تخفي حنان صعوبة العمل بإعداد أصناف المونة المختلفة، لكن صعوبات الحياة تفرض أحياناً ما لا نرغب به، على الرغم من حبها للعمل بشكل عام.
وتابعت حنان لمنصة الخبر: “عمل متعب لكنه ضروري لاستمرار الحياة ومواجهة ظروفها، فأطفالي صغار وحماتي معمرة وتحتاج للرعاية أيضاً، وهذا ما دفعني لممارسة هذا العمل في المنزل كوني لا استطيع تركهم”.
أصنع المونة لزبائني وكأنها لأطفالي
وعن سر نجاح عملها بإعداد المونة للزبائن، قالت حنان إنه يكمن في الأمانة التي ترافقها خلال جميع المراحل، مضيفة: “أعدها وكأنها لأطفالي، فلا أبخل في المواد مطلقاً وبمواصفات نظافة ممتازة”.
وتابعت أن الابتسامة على الوجه تلعب دوراً هاماً برضى الزبون، فهو يحب الوجه المبتسم والمعاملة الجيدة دون أن يشعر بأنه مجرد عمل مقابل مبلغ مادي، كما أنني أتلقى أي ملاحظة بصدر رحب، كما أقدم نصائحي بطريقة لبقة كي لا ينفر”.
المكدوس أصعبها وهناك تراجع في الطلب
تعود حنان للحديث عن المكدوس كون إعداده يعد من أصعب أنواع المونة بالإضافة إلى دبس الرمان، إذ أن سلق وتعقيم وتنشيف 100 كيلو من الباذنجان يحتاج يوماً كاملاً، ويوماً آخر للكبس والشد لخروج آخر نقطة ماء منه.
أما دبس الرمان يحتاج يومين تضيف حنان، ويأخذ وقتاً طويلاً للفرط والتنظيف والعصر والغلي والملء في العبوات المخصصة له.
وأشارت حنان إلى تراجع الطلب نتيجة الغلاء، فمن كان يشتري 50 كيلو من الباذنجان المسلوق في السابق بات يقتصر على 5 ، ومن كان يشتري 5 كيلو من الجاهز تراجع طلبه إلى 2، وكان هذا الأمر واضحاً خلال هذا العام.
وعن ذلك، أوضحت أن أسعار المنتجات لهذا العام كانت مرتفعة، مضيفة: “حاولت قدر المستطاع أن لا أطلب امبالغ مرتفعة على الزبائن، وعلى سبيل المثال بعت كيلو باذنجان المكدوس المسلوق بقيمة 35 ألف ليرة والفليلفة الممتازة 75 ألف”.
وتابعت حنان: “علما أن هامش ربحي قليل جداً قد لا يتجاوز 5 آلاف ليرة أحيانا، إذ أن الحياة صعبة على الزبون معظم الأحيان ” لأن كمان بدو يعيش ومالي قلب غلي”، حسب تعبيرها.
مربى القرع والحنين إلى أمي
تستحضر حنان ذكريات طفولتها عند إعداد أصناف المونة، وخصوصاً أثناء العمل بتحضير مربى القرع، حيث كانت أمها تعدها خصيصاً لها، بالإضافة إلى الأجواء العائلية التي كانت ترافق إعداد الطعام في المنزل الريفي الجميل.
وتوجهت حنان للنساء بأن: “كل امرأة تستطيع مساعدة زوجها وعائلتها على الرغم من الصعوبات التي قد تواجهها، لكنك في النهاية ستصلين إلى هدفك مهما كان بسيطاً، فالشعور بأنك مفيدة لا يضاهيه شعور وخصوصاً في الأوضاع الراهنة”.
واجهت الانتقادات بالمزيد من الإصرار
كشفت حنان لمنصة الخبر إلى انتقادات كثيرة وجهت إليها مع بداية عملها بإعداد المونة، لاسيما مع إصابتها بيدها اليمنى، لكن ذلك كان المحفز للعمل بجهد أكبر فتحولت اليد الساكنة إلى محرك نفاث حسب تعبيرها.
“ضحكة ولادي بتنسيني التعب”
تكمل حنان :”أشعر أن الله يمدني بالقوة للاستمرار في كل خطوة وعند التعب أكتفي بالقول يا الله لأستعيد النشاط، كما أن ضحكات أولادي التي ترافقني يومياً تجعل التعب يتلاشى بشكل كامل”.

الحلم بمحل كبير لتوسيع العمل
تتمنى حنان أن تمتلك محلاً كبيراً يمكنها من توسيع العمل بشكل أكبر لعرض جميع منتجاتها، وأن ينتشر اسمها بشكل أوسع وتلبي طلبات الزبائن خارج المنطقة للتي تعيش فيها.
وختمت حنان لمنصة الخبر بأنها لا تشعر بصعوبة العمل رغم إصابتها بيدها كما يعتقد البعض على الرغم من تأثيرها في بعض مفاصل العمل، إذ يقتصر دورها على انكماش أصابعها لمسك بعض الأشياء والاستناد عليها أحياناً، لكن حياتها وعائلتها تستند على هاتين اليدين الساكنة منها والنفاثة أيضاً.
عمار ابراهيم -الخبر- حمص




