خبير يقترح حلولاً لدرء خطر الفيضانات في حلب وتحويلها من “نقمة” إلى “نعمة”

لم تكن المياه التي غمرت شوارع حلب وأقبية منازلها مع هطول أمطار مطلع تشرين الأول مجرد عبء عابر على حركة السير والمحال التجارية، بل أعادت فتح ملف تصريف مياه الأمطار في مدينة تتكرر فيها الاختناقات مع الهطولات الغزيرة.
وبينما تتركز المعالجات العاجلة على فتح المصارف وسحب المياه، تبرز مقترحات تتجاوز الاستجابة للفيضان بعد وقوعه، إلى اعتراض السيول وتخزين المياه والاستفادة منها بدلاً من خسارتها في شبكات الصرف.
وتسببت الأمطار التي شهدتها المدينة في الأول من تشرين الأول بغمر شوارع وأحياء عدة، بينها صلاح الدين وسيف الدولة والفيض وكرم الجزماتي، كما تسربت المياه إلى أقبية منازل ومحال تجارية في حي الزبدية.
واضطر متضررون إلى الاستعانة بفرق الدفاع المدني لسحب المياه، فيما تركزت الشكاوى على ضعف تصريف الهطولات وغياب أعمال الصيانة الكافية.

وعقب الحادثة، أعلن محافظ حلب عزام الغريب معالجة أكثر من 50 نقطة ضمن شبكة الصرف الصحي، متعهداً بمحاسبة كل من يثبت تقصيره. كما أُعلن عن إعفاء مدير الصرف الصحي وتكليف نائبه بتسيير الأعمال، في حين بقيت آلية تعويض المتضررين بحاجة إلى توضيح بشأن الإجراءات المتخذة ومصير الشكاوى المقدمة.
حلول قبل المطر
يرى خبير المياه بهاء ناشر النعم، في حديث لمنصة الخبر، أن الحد من الفيضانات يتطلب الانتقال من التعامل مع المياه بعد تجمعها إلى منع وصولها للمناطق المنخفضة، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية وتجهيز فرق الاستجابة.
ويقترح “ناشر النعم” إنشاء مصارف مطرية لاعتراض مياه السيول قبل وصولها إلى المناطق الأكثر عرضة للغمر، وفي مقدمتها منطقة “الفيض”، إلى جانب دراسة إمكانية تصريف المياه المتجمعة فيها نحو نهر قويق، حيث يبعد نحو 300 متر عنها.
ويشدد الخبير على ضرورة تنظيف المصافي المطرية وصيانتها يومياً خلال موسم الأمطار، وزيادة عددها في مواقع تجمع المياه، فضلاً عن تجهيز الجهات المعنية بمضخات وآليات لشفط المياه وقوارب قابلة للنفخ، وتدريب متطوعين على الإنقاذ والإسعاف الأولي.
كما يدعو إلى تجهيز مضخات وصهاريج لشفط المياه في المواقع التي تتكرر فيها الاختناقات، ومنها نفق تشرين ومحيط جامع التوحيد، مع إبقاء فرق الطوارئ في حالة استعداد تحسباً للهطولات الغزيرة والمفاجئة.
ولا تقتصر المقترحات على المعدات والإجراءات الفنية؛ إذ يرى “ناشر النعم” أن إعادة تشكيل ورشة صيانة ليلية، على غرار الورش التي كانت تعمل في حلب خلال تسعينيات القرن الماضي، قد تساعد في تنظيف المصافي ومتابعة تجمعات المياه خلال ساعات الليل، قبل تفاقم آثارها على الطرقات والأحياء السكنية.
مياه لا تُهدر
إلى جانب معالجة الفيضانات، يطرح “ناشر النعم” فكرة الاستفادة من المياه التي يجري ضخها باستمرار من بعض المواقع المنخفضة والمنشآت في وسط حلب، ومنها محيط فندق أمير والبنك المركزي والمتحف ومباني السبع بحرات.
ويقترح إنشاء خزانات تحت الأرض في المساحة الممتدة من سوق الهال، المعروف بساحة الرئيس، إلى ساحة سعد الله الجابري، للاستفادة من أعمال إعادة ترتيب المنطقة في تنفيذ المشروع، إذا أثبتت الدراسات الفنية ملاءمة الموقع وقدرته على استيعاب المياه.
وبحسب “ناشر النعم”، يمكن جمع المياه التي تُضخ حالياً إلى شبكة الصرف الصحي وتخزينها لاستخدامها لاحقاً في ري
الحدائق والأشجار والجزر الوسطية، وغسل الشوارع وإطفاء الحرائق. ويقول إنه أجرى تحاليلاً لهذه المياه ووجدها صالحة للري، لكن اعتمادها على نطاق واسع يتطلب التحقق من نتائج التحاليل ومطابقتها للمعايير المعتمدة، وتحديد نوعية الاستخدامات المناسبة لها.
ويطرح المقترح سؤالاً يتجاوز تصريف مياه الأمطار: هل يمكن لمدينة حلب أن تتعامل مع المياه المتجمعة باعتبارها مورداً قابلاً للاستفادة، بدلاً من ضخها والتخلص منها من دون استثمار؟

ويضع “ناشر النعم” هذه الفكرة ضمن دعوته إلى الحد من ”الإفلاس المائي”، الذي يعرّفه باستنزاف الموارد عندما يتجاوز الاستهلاك والتدهور قدرة المياه المتاحة على التجدد. ويدعو في هذا السياق إلى إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في ري المزروعات بهدف تقليل الاعتماد على المياه العذبة التي ينبغي الحفاظ على جزء أكبر منها لتلبية احتياجات الشرب مستقبلاً.
المتضررون ينتظرون
وبالنسبة إلى أصحاب المحال والأقبية التي غمرتها المياه، لا تتوقف المشكلة عند قدرة المصارف على استيعاب الهطولات المقبلة بل تشمل أيضاً الخسائر التي لحقت بممتلكاتهم وكلفة تنظيف المواقع وإصلاح الأضرار.
وكانت شهادات متضررين ومقاطع فيديو نُشرت عقب العاصفة سلطت الضوء على دخول المياه إلى الأقبية، وتعطل الحركة في شوارع عدة، واستنجاد الأهالي بفرق الدفاع المدني. كما انتقد مواطنون غياب أعمال واضحة لصيانة شبكات التصريف خلال الصيف، معتبرين أن بعض الأضرار كان بالإمكان الحد منها عبر الاستعداد المبكر.
وفي ظل هذه الشكاوى، تبرز الحاجة إلى توضيح ما توصلت إليه المحافظة في حصر الأضرار ومتابعة طلبات المتضررين، بالتوازي مع نشر نتائج أعمال الصيانة التي أُعلن عنها بعد العاصفة وتحديد النقاط التي أنجزت معالجتها وتلك التي لا تزال بحاجة إلى تدخل.
ويرى “ناشر النعم” أن الحد من آثار السيول مسؤولية مشتركة بين الجهات الخدمية والأهالي، ويشدد على أهمية إبقاء الشوارع والمصافي نظيفة، وتوعية السكان بتجنب البقاء في الطرقات أثناء الهطولات الغزيرة، واستخدام وسائل التواصل والرسائل التحذيرية لإيصال التنبيهات قبل وصول المياه إلى مستويات خطرة.
ويبقى التحدي أمام الجهات المعنية في حلب تحويل هذه المقترحات إلى خطوات عملية، تبدأ بصيانة شبكات التصريف وتجهيز مضخات لسحب المياه، وتشمل جمعها وتخزينها للاستفادة منها في ري الحدائق وغسل الشوارع بدلاً من هدرها. ويتطلب ذلك دراسات تحدد جدوى الحلول وأولويات تنفيذها، بالتوازي مع توضيح مصير شكاوى المتضررين وآلية تعويضهم.
أحمد زنكلو – الخبر- حلب



