ظاهرة النينيو تصل لذروة محتملة هذا العام.. ماذا يعني ذلك لسوريا بعد عام من الجفاف؟

“من المتوقع أن تتسبب ظاهرة النينو في عام 2026–2027 بجملة من أشد الظواهر الجوية البالغة الحدة منذ عقود”
بهذه الرسالة، أطلقت اليونسكو حملتها العالمية “اليونسكو × النينو 2026–2027” محذرة من ضغوط محتملة على المياه والغذاء والتعليم والتراث، وداعية إلى الاستعداد المبكر.
وتأتي الرسالة بالتزامن مع إعلان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن “النينو متشكل بالفعل، ومن المرجح أن يشتد إلى مستوى قوي جداً قبل نهاية 2026، مع احتمال يقارب 100% لاستمراره حتى شباط 2027”
. لكن ماذا تعني هذه الظاهرة التي تبدأ على بعد آلاف الكيلومترات من سوريا، ولماذا تستحق المتابعة محلياً؟
ما هي ظاهرة النينو ؟
النينو عبارة عن ظاهرة مناخية تحدث عندما ترتفع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير معتاد، ما يخل بتوازن الرياح والتيارات البحرية.
هذا الاحترار المفاجئ لا يقتصر تأثيره على المحيط فقط، بل يغيّر أنماط الطقس حول العالم، مسبّباً فيضانات وجفافاً متطرفاً في مناطق متفرقة. باختصار، يمكن تشبيه النينو بـ”موجة حر محيطية” تتحرك عبر الكرة الأرضية، تؤثر على المحاصيل والصيد والطقس المحلي، وتترك بصمة واضحة على المناخ العالمي.
وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وصلت حرارة منطقة “نينو 3.4” في المحيط الهادئ إلى مستويات مرتفعة بشكل استثنائي خلال صيف 2026، مع مؤشرات على استمرار التصاعد، فيما تشير النماذج إلى بلوغ الظاهرة ذروة قوتها قرب نهاية العام واستمرار تأثيراتها المناخية خلال 2027.
والنقطة المهمة في قراءة تأثير الظاهرة أن قوة النينو لا تعني أن كل دولة ستتعرض للنوع نفسه من الطقس، ولا تسمح وحدها بالتنبؤ بكمية المطر أو عدد العواصف في سوريا. فالمنظمة نفسها تؤكد أن التأثير يختلف بحسب المنطقة والموسم، ويتداخل مع عوامل أخرى، بينها حرارة المحيطين الهندي والأطلسي.
وكان توقّع خبير الأرصاد الجوية عامر حليمة في تصريح لموقع تلفزيون الخبر في بداية شهر أيار أن يكون الصيف القادم على سوريا معتدلاً ولطيفاً، وذلك مع عودة تأثير ظاهرة “النينو” الجوية التي ستعود بالبلاد خلال السنوات القادمة لطقس السبعينيات.
وقال “حليمة” أنّه “خلال السنوات الأخيرة لم تتعرض سوريا لمنخفضات جوية باردة بشهر أيار، ما يعني أن ما يجري حالياً استثنائي، وحتى الأمطار كانت تنتهي مع منتصف شهر نيسان، عكس الموسم المطري الحالي القوي”.
سوريا معنية لأن موسم المطر هو موسم الزراعة
بالنسبة إلى سوريا، تكتسب أي تغيرات في الهطول خلال الفترة الممتدة تقريباً من الخريف إلى الربيع أهمية مباشرة، لأن جزءاً كبيراً من الزراعة يعتمد على الأمطار، بينما تعاني البلاد أصلاً من محدودية الموارد المائية.
وتظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” هشاشة هذا القطاع بوضوح، فتقييم نشر في أيلول 2026، بالاعتماد على الاستشعار عن بعد والتحليل الجغرافي، خلص إلى أن الأراضي البعلية ومناطق الرعي كانت الأكثر تعرضاً للجفاف خلال الفترة 2021–2025، وأن أكثر من 65% من السكان والثروة الحيوانية في سوريا قُدّر أنهم كانوا معرضين لجفاف شديد أو شديد جداً خلال 2025.
لذلك لا ينبغي النظر إلى النينو باعتبارها ظاهرة مناخية بعيدة عن حياة السوريين، بل باعتبارها أحد العوامل التي يمكن أن تغير احتمالات المطر في موسم له وزن كبير في الزراعة والمياه.
المفارقة السورية: تعافٍ زراعي بعد الجفاف
المشهد السوري الحالي أكثر تعقيداً من مجرد انتظار “موسم ممطر” أو “موسم جاف.
فبحسب آخر موجز لمنظمة الأغذية والزراعة في آب 2026، ساعدت الأمطار الوفيرة منذ كانون الأول 2025 على تحسين رطوبة التربة وتعافي المحاصيل، وقدرت المنظمة إنتاج القمح السوري في 2026 بنحو 2.7 مليون طن، أي أكثر من 50% فوق متوسط السنوات الخمس السابقة، في انتعاش واضح بعد محصول 2025 المتضرر بشدة من الجفاف.
لكن الأمطار نفسها حملت مخاطر في بعض المناطق، إذ أدت الأمطار الغزيرة وارتفاع تدفق مياه الفرات بين آذار وأيار إلى فيضانات محلية وأضرار في محاصيل بمحافظات الرقة ودير الزور وحلب، وإن كان تأثيرها على الإنتاج الإجمالي محدوداً.
وتقدم هذه التجربة درساً مهماً في قراءة النينو، فزيادة الأمطار ليست بالضرورة خبراً إيجابياً للزراعة إذا جاءت في توقيت أو شدة غير مناسبين. ما يهم المزارع ليس مجموع المطر السنوي فقط، وإنما موعده وتوزعه، وقدرته على التغلغل في التربة، وما إذا كان يأتي على شكل هطولات مفيدة أو سيول جارفة.
من القمح إلى المياه.. المخاطر لا تسير في اتجاه واحد
قد يؤدي موسم أكثر رطوبة إلى تحسين رطوبة التربة ودعم المحاصيل البعلية وتقليل بعض ضغوط الري، لكنه قد يرفع في المقابل احتمال السيول والفيضانات المحلية عندما تكون الهطولات شديدة خلال فترة قصيرة.
وفي سوريا، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية بسبب تراجع قدرة بعض البنى التحتية وشبكات المياه والصرف والري على التعامل مع الصدمات المتكررة، إضافة إلى تراكم آثار سنوات الجفاف والصراع.
وهنا تتقاطع النينو مع قضية أوسع، فالمشكلة ليست في كمية المياه وحدها، وإنما في إدارة المياه وقدرة البنية التحتية على استقبالها وتخزينها وتوزيعها. ولهذا تركز الجهات الدولية المعنية بالمناخ على الإنذار المبكر والاستعداد بدلاً من انتظار وقوع الحدث ثم التعامل مع خسائره.
الساحل السوري ليس خارج المعادلة
قد يبدو تأثير النينو أكثر ارتباطاً بالمناطق الزراعية الداخلية والشمالية، لكن الساحل السوري معني أيضاً، خصوصاً أن الأمطار الغزيرة والعواصف تؤثر في الأنهار والمنحدرات والطرق والبنية التحتية والزراعة الساحلية.
ولا يمكن، استناداً إلى وجود النينو وحده، القول إن اللاذقية أو طرطوس ستشهدان موسماً أكثر مطراً أو عواصف أقوى تحديداً، فذلك يحتاج إلى نماذج موسمية وإقليمية وبيانات محلية تتحدث عن سوريا نفسها.
لماذا تبدو النينو أكثر خطورة اليوم؟
النينو ظاهرة طبيعية وليست نتيجة مباشرة لتغير المناخ، لكن حدوثها اليوم يجري فوق كوكب أكثر دفئاً من السابق. وهذا يغير خط الأساس الذي تحدث فوقه الظواهر المناخية.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن النينو القوي يرفع احتمالات تغيرات كبيرة في الحرارة والهطول في مناطق واسعة، لكنها تحذر في الوقت نفسه من اختزال النتائج في الظاهرة وحدها، لأن عوامل أخرى، مثل التذبذب في المحيط الهندي والأطلسي، يمكن أن تعزز تأثيرها أو تعدله.
بالنسبة إلى سوريا، يعني ذلك أن السؤال الأكثر فائدة ليس “هل ستجلب النينو المطر أم الجفاف؟”، وإنما ”ما السيناريوهات المحتملة للمطر والحرارة والسيول خلال الموسم المقبل، وما الذي يمكن فعله قبل حدوثها؟”
الاختبار الحقيقي يبدأ قبل وصول العاصفة
تضع اليونسكو في حملتها الحالية الاستعداد المسبق في قلب التعامل مع النينو، ليس فقط لحماية الغذاء والمياه، وإنما أيضاً لحماية المواقع التراثية والمجموعات والمتاحف والمجتمعات المحلية.
وفي الحالة السورية، يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى إجراءات عملية تبدأ بمراقبة الأمطار والتربة والمياه الجوفية والمحاصيل، وربط بيانات الأرصاد بالزراعة وإدارة الموارد المائية، وتحديث خرائط المناطق المعرضة للسيول، وإيصال التحذيرات إلى المزارعين والسكان قبل الظواهر الشديدة بوقت كاف.
فالبلاد الخارجة من جفاف قاسٍ لا تحتاج إلى الاحتفال بمجرد عودة المطر، كما لا تحتاج إلى التعامل مع كل مطر غزير باعتباره كارثة. المطلوب هو قراءة الماء باعتباره مورداً ومخاطرة في الوقت نفسه.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن سوريا تدخل موسم 2026–2027 وهي في وضع مختلف عن بداية الموسم السابق، فالإنتاج الزراعي تعافى بعد أمطار أفضل، لكن آثار الجفاف ما زالت حاضرة، والموارد المائية والقدرة الاقتصادية للأسر الزراعية لا تزال هشة. وفي هذه البيئة، تصبح متابعة النينو مفيدة ليس لأنها تتنبأ بمستقبل سوريا، وإنما لأنها تضيف عاملاً علمياً إلى لوحة المخاطر التي ينبغي مراقبتها مبكراً.
سوريا تتجه لبناء منظومة رصد جوي حديثة تضم 500 محطة
وفي سياق متقاطع، كشف مدير المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ عبد الكريم المحمد خلال تصريح لـ سانا في وقت سابق من الشهر الماضي ، أن سوريا تتجه لبناء منظومة رصد جوي حديثة تضم 500 محطة خلال ثلاثة أعوام.
ولفت المحمد إلى أن من أبرز التطورات التقنية التي أنجزت خلال الفترة الماضية تفعيل منصة ECMWF ecCharts بالتعاون مع المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، والتي توفر مجموعة واسعة من الخرائط الجوية وأدوات التحليل، بما فيها أدوات التحليل العمودي للغلاف الجوي.
وأوضح مدير المركز أن أهمية تطوير تقنيات الرصد والتحليل والإنذار المبكر تتزايد مع ارتفاع مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة والتغير المناخي، إذ تشكل منظومات الإنذار المبكر إحدى الأدوات الأساسية لحماية الأرواح والممتلكات ودعم اتخاذ القرار.
ظاهرة النينيو تصل لذروة محتملة هذا العام.. ماذا يعني ذلك لسوريا بعد عام من الجفاف؟
“من المتوقع أن تتسبب ظاهرة النينو في عام 2026–2027 بجملة من أشد الظواهر الجوية البالغة الحدة منذ عقود”
بهذه الرسالة، أطلقت اليونسكو حملتها العالمية “اليونسكو × النينو 2026–2027” محذرة من ضغوط محتملة على المياه والغذاء والتعليم والتراث، وداعية إلى الاستعداد المبكر.
وتأتي الرسالة بالتزامن مع إعلان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن “النينو متشكل بالفعل، ومن المرجح أن يشتد إلى مستوى قوي جداً قبل نهاية 2026، مع احتمال يقارب 100% لاستمراره حتى شباط 2027”
. لكن ماذا تعني هذه الظاهرة التي تبدأ على بعد آلاف الكيلومترات من سوريا، ولماذا تستحق المتابعة محلياً؟
ما هي ظاهرة النينو ؟
النينو عبارة عن ظاهرة مناخية تحدث عندما ترتفع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير معتاد، ما يخل بتوازن الرياح والتيارات البحرية.
هذا الاحترار المفاجئ لا يقتصر تأثيره على المحيط فقط، بل يغيّر أنماط الطقس حول العالم، مسبّباً فيضانات وجفافاً متطرفاً في مناطق متفرقة. باختصار، يمكن تشبيه النينو بـ”موجة حر محيطية” تتحرك عبر الكرة الأرضية، تؤثر على المحاصيل والصيد والطقس المحلي، وتترك بصمة واضحة على المناخ العالمي.
وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وصلت حرارة منطقة “نينو 3.4” في المحيط الهادئ إلى مستويات مرتفعة بشكل استثنائي خلال صيف 2026، مع مؤشرات على استمرار التصاعد، فيما تشير النماذج إلى بلوغ الظاهرة ذروة قوتها قرب نهاية العام واستمرار تأثيراتها المناخية خلال 2027.
والنقطة المهمة في قراءة تأثير الظاهرة أن قوة النينو لا تعني أن كل دولة ستتعرض للنوع نفسه من الطقس، ولا تسمح وحدها بالتنبؤ بكمية المطر أو عدد العواصف في سوريا. فالمنظمة نفسها تؤكد أن التأثير يختلف بحسب المنطقة والموسم، ويتداخل مع عوامل أخرى، بينها حرارة المحيطين الهندي والأطلسي.
وكان توقّع خبير الأرصاد الجوية عامر حليمة في تصريح لموقع تلفزيون الخبر في بداية شهر أيار أن يكون الصيف القادم على سوريا معتدلاً ولطيفاً، وذلك مع عودة تأثير ظاهرة “النينو” الجوية التي ستعود بالبلاد خلال السنوات القادمة لطقس السبعينيات.
وقال “حليمة” أنّه “خلال السنوات الأخيرة لم تتعرض سوريا لمنخفضات جوية باردة بشهر أيار، ما يعني أن ما يجري حالياً استثنائي، وحتى الأمطار كانت تنتهي مع منتصف شهر نيسان، عكس الموسم المطري الحالي القوي”.
سوريا معنية لأن موسم المطر هو موسم الزراعة
بالنسبة إلى سوريا، تكتسب أي تغيرات في الهطول خلال الفترة الممتدة تقريباً من الخريف إلى الربيع أهمية مباشرة، لأن جزءاً كبيراً من الزراعة يعتمد على الأمطار، بينما تعاني البلاد أصلاً من محدودية الموارد المائية.
وتظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” هشاشة هذا القطاع بوضوح، فتقييم نشر في أيلول 2026، بالاعتماد على الاستشعار عن بعد والتحليل الجغرافي، خلص إلى أن الأراضي البعلية ومناطق الرعي كانت الأكثر تعرضاً للجفاف خلال الفترة 2021–2025، وأن أكثر من 65% من السكان والثروة الحيوانية في سوريا قُدّر أنهم كانوا معرضين لجفاف شديد أو شديد جداً خلال 2025.
لذلك لا ينبغي النظر إلى النينو باعتبارها ظاهرة مناخية بعيدة عن حياة السوريين، بل باعتبارها أحد العوامل التي يمكن أن تغير احتمالات المطر في موسم له وزن كبير في الزراعة والمياه.
المفارقة السورية: تعافٍ زراعي بعد الجفاف
المشهد السوري الحالي أكثر تعقيداً من مجرد انتظار “موسم ممطر” أو “موسم جاف.
فبحسب آخر موجز لمنظمة الأغذية والزراعة في آب 2026، ساعدت الأمطار الوفيرة منذ كانون الأول 2025 على تحسين رطوبة التربة وتعافي المحاصيل، وقدرت المنظمة إنتاج القمح السوري في 2026 بنحو 2.7 مليون طن، أي أكثر من 50% فوق متوسط السنوات الخمس السابقة، في انتعاش واضح بعد محصول 2025 المتضرر بشدة من الجفاف.
لكن الأمطار نفسها حملت مخاطر في بعض المناطق، إذ أدت الأمطار الغزيرة وارتفاع تدفق مياه الفرات بين آذار وأيار إلى فيضانات محلية وأضرار في محاصيل بمحافظات الرقة ودير الزور وحلب، وإن كان تأثيرها على الإنتاج الإجمالي محدوداً.
وتقدم هذه التجربة درساً مهماً في قراءة النينو، فزيادة الأمطار ليست بالضرورة خبراً إيجابياً للزراعة إذا جاءت في توقيت أو شدة غير مناسبين. ما يهم المزارع ليس مجموع المطر السنوي فقط، وإنما موعده وتوزعه، وقدرته على التغلغل في التربة، وما إذا كان يأتي على شكل هطولات مفيدة أو سيول جارفة.
من القمح إلى المياه.. المخاطر لا تسير في اتجاه واحد
قد يؤدي موسم أكثر رطوبة إلى تحسين رطوبة التربة ودعم المحاصيل البعلية وتقليل بعض ضغوط الري، لكنه قد يرفع في المقابل احتمال السيول والفيضانات المحلية عندما تكون الهطولات شديدة خلال فترة قصيرة.
وفي سوريا، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية بسبب تراجع قدرة بعض البنى التحتية وشبكات المياه والصرف والري على التعامل مع الصدمات المتكررة، إضافة إلى تراكم آثار سنوات الجفاف والصراع.
وهنا تتقاطع النينو مع قضية أوسع، فالمشكلة ليست في كمية المياه وحدها، وإنما في إدارة المياه وقدرة البنية التحتية على استقبالها وتخزينها وتوزيعها. ولهذا تركز الجهات الدولية المعنية بالمناخ على الإنذار المبكر والاستعداد بدلاً من انتظار وقوع الحدث ثم التعامل مع خسائره.
الساحل السوري ليس خارج المعادلة
قد يبدو تأثير النينو أكثر ارتباطاً بالمناطق الزراعية الداخلية والشمالية، لكن الساحل السوري معني أيضاً، خصوصاً أن الأمطار الغزيرة والعواصف تؤثر في الأنهار والمنحدرات والطرق والبنية التحتية والزراعة الساحلية.
ولا يمكن، استناداً إلى وجود النينو وحده، القول إن اللاذقية أو طرطوس ستشهدان موسماً أكثر مطراً أو عواصف أقوى تحديداً، فذلك يحتاج إلى نماذج موسمية وإقليمية وبيانات محلية تتحدث عن سوريا نفسها.
لماذا تبدو النينو أكثر خطورة اليوم؟
النينو ظاهرة طبيعية وليست نتيجة مباشرة لتغير المناخ، لكن حدوثها اليوم يجري فوق كوكب أكثر دفئاً من السابق. وهذا يغير خط الأساس الذي تحدث فوقه الظواهر المناخية.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن النينو القوي يرفع احتمالات تغيرات كبيرة في الحرارة والهطول في مناطق واسعة، لكنها تحذر في الوقت نفسه من اختزال النتائج في الظاهرة وحدها، لأن عوامل أخرى، مثل التذبذب في المحيط الهندي والأطلسي، يمكن أن تعزز تأثيرها أو تعدله.
بالنسبة إلى سوريا، يعني ذلك أن السؤال الأكثر فائدة ليس “هل ستجلب النينو المطر أم الجفاف؟”، وإنما ”ما السيناريوهات المحتملة للمطر والحرارة والسيول خلال الموسم المقبل، وما الذي يمكن فعله قبل حدوثها؟”
الاختبار الحقيقي يبدأ قبل وصول العاصفة
تضع اليونسكو في حملتها الحالية الاستعداد المسبق في قلب التعامل مع النينو، ليس فقط لحماية الغذاء والمياه، وإنما أيضاً لحماية المواقع التراثية والمجموعات والمتاحف والمجتمعات المحلية.
وفي الحالة السورية، يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى إجراءات عملية تبدأ بمراقبة الأمطار والتربة والمياه الجوفية والمحاصيل، وربط بيانات الأرصاد بالزراعة وإدارة الموارد المائية، وتحديث خرائط المناطق المعرضة للسيول، وإيصال التحذيرات إلى المزارعين والسكان قبل الظواهر الشديدة بوقت كاف.
فالبلاد الخارجة من جفاف قاسٍ لا تحتاج إلى الاحتفال بمجرد عودة المطر، كما لا تحتاج إلى التعامل مع كل مطر غزير باعتباره كارثة. المطلوب هو قراءة الماء باعتباره مورداً ومخاطرة في الوقت نفسه.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن سوريا تدخل موسم 2026–2027 وهي في وضع مختلف عن بداية الموسم السابق، فالإنتاج الزراعي تعافى بعد أمطار أفضل، لكن آثار الجفاف ما زالت حاضرة، والموارد المائية والقدرة الاقتصادية للأسر الزراعية لا تزال هشة. وفي هذه البيئة، تصبح متابعة النينو مفيدة ليس لأنها تتنبأ بمستقبل سوريا، وإنما لأنها تضيف عاملاً علمياً إلى لوحة المخاطر التي ينبغي مراقبتها مبكراً.
سوريا تتجه لبناء منظومة رصد جوي حديثة تضم 500 محطة
وفي سياق متقاطع، كشف مدير المركز الوطني للأرصاد الجوية والمناخ عبد الكريم المحمد خلال تصريح لـ سانا في وقت سابق من الشهر الماضي ، أن سوريا تتجه لبناء منظومة رصد جوي حديثة تضم 500 محطة خلال ثلاثة أعوام.
ولفت المحمد إلى أن من أبرز التطورات التقنية التي أنجزت خلال الفترة الماضية تفعيل منصة ECMWF ecCharts بالتعاون مع المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، والتي توفر مجموعة واسعة من الخرائط الجوية وأدوات التحليل، بما فيها أدوات التحليل العمودي للغلاف الجوي.
وأوضح مدير المركز أن أهمية تطوير تقنيات الرصد والتحليل والإنذار المبكر تتزايد مع ارتفاع مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة والتغير المناخي، إذ تشكل منظومات الإنذار المبكر إحدى الأدوات الأساسية لحماية الأرواح والممتلكات ودعم اتخاذ القرار.



