العناوين الرئيسيةثقافة وفن

معرض الكتاب بدورته الـ31.. أرض مائلة وقُرَّاء برتبة “رقيب”

بعد إعلان وزير الثقافة “محمد الأحمد” في افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب بدورته الـ31، عن أن أي كتاب يمس الدولة والمجتمع سيسحب وتحاسب الدار التي نشرته، ومن ثم تصريح مدير مكتبة الأسد “إياد مرشد” عن رغبته في جعل الزائر صاحب دور فاعل، من خلال إبلاغه عن أي محتوى يشعر أنه يتضمن إساءة للمجتمع السوري وقيمه، بات القارئ برتبة “رقيب” حسبما تهكَّم كُثُرٌ على مواقع التواصل الاجتماعي.

صحيح أن “الكتاب سلاح خطير”، لكن ينبغي التعاطي مع الكتب بعدل، لاسيما أن المعرض يتضمن آلاف الكتب المصنفة تحت الإطار الديني، وهي قادرة على خلخلة أساسات أي مجتمع، وزعزعة لُحمته، فضلاً عن الإصدارات التي تُعزز الفكر الغيبي والتسليم لها من دون إعمال العقل، بما يخالف شعار هذه السنة “الكتاب بناء للعقل”.

الكاتب “وائل شعبان” أبدى لتلفزيون الخبر أسفه من هذا الكم من الكتب الدينية وكتب الطبخ والأبراج ضمن المعرض، متسائلاً عن الرقابة الحقَّة التي ينبغي ألا تقف عند بعض كتب السياسة أو الروايات التي ترى فيها ما يُضير وجودها ويزعزعه، بل يجب أن تتركز على ما يضر المجتمع بأسره، ويدمر بنيته الأساسية والتي هي الأسرة.

وأضاف “شعبان”: من يتابع منشورات الطفل في الدور المشاركة سيكتشف من دون كثير عناء الذهنية التي تحكم إدارة المعرض، متهكِّماً على مطالبة مدير مكتبة الأسد بأن يصبح المواطنون شركاء في الرقابة، من أن الموضوع لا يحتاج لتحديد مجموعة كتب “مسيئة” حسب الأعراف الغرائبية التي يسيرون عليها، وإنما تحديد المعنى الدقيق لكلمة “مسيئة”، وتالياً تغيير الذهنية الرقابية على الكتاب وعدم التعاطي معه كأنه مادة سامّة.

ويستغرب المهندس الأربعيني “محمد العاقل” الإصرار على أن يُقام معرض الكتاب في مكتبة الأسد، رغم أنها غير مجهزة بالشكل اللازم كما كان معرض دمشق القديم، وأكثر ما يزعجه الأرضية المائلة التي تجعل دماغه يبذل مجهوداً مُضاعفاً أثناء مطالعة عناوين الكتب لتحقيق التوازن، مما يدفعه أكثر من مرة لطلب الجلوس، وفي أحيان أخرى لمغادرة المعرض كلياً.

ويضيف “العاقل” أن الموضوع لا يتعلق فقط بميلان الأرض الذي يتعارض باعتقاده مع شعار المعرض “الكتاب بناء للعقل”، لأنه يخلخل توازنه، بل ثمة خلل بالمرافق العامة الضرورية لجعل زيارة المعرض أشبه برحلة استكشاف لانتقاء الأمثل والأجدى من الكتب التي تناسبه وتناسب أفراد عائلته، فلا مكان لائق للاستراحة بين الأجنحة، ولا صنابير مياه للشرب، ولا أي خدمات أخرى.

موظف في إحدى دور النشر قال لتلفزيون الخبر بالفم الملآن: «وزارة الثقافة لا تُريد لصناعة الكتاب أن تزدهر»، مُجرياً مُقارنة بسيطة بين معرض دمشق ونظيره في أربيل، مؤكداً أن إدارة المعرض هناك تفرض على كل زائر شراء بطاقة قيمتها دولار واحد، لكنها تتيح له شراء كتب بعشرة دولارات، وبهذه الحالة يكون هو استفاد ودور النشر استفادت، وصناعة الكتاب بالعموم.

ويذكر الموظف أنه لا مُحفِّزات نهائياً لنشر الكتاب أو بيعه، ولا تسهيلات لدور النشر تساعدهم على تخفيض أسعارهم، مما يجعل معرض دمشق مجرد أرقام دعائية لها علاقة بعدد العناوين المعروضة، وكم الفعاليات الثقافية المرافقة والتي لا تختلف عن فعاليات أي مركز ثقافي تقليدي، وفي هذا خلل كبير.

الطالبة “سلام المصري” (22 عاماً) أعربت عن مفاجأتها بما رأته بعدما انتقت ثلاثة كتب من إحدى دور النشر، بأن البائع استخدم الآلة الحاسبة، ضارباً وجامعاً ومقسِّماً، بطريقة تشبه كثيراً ما يفعل الصُّيَّاغ أثناء شرائهم لمصاغ أحد الزبائن، وعندما سألت عن تلك العمليات المعقدة، أجابها صاحب الدار بأنه يحسب سعر الكتب بناء على سعر صرف الدولار، ومن ثم يخصم الحسم، وهكذا.

سعر الثلاثة كتب بعد خصم 60% كما أخبرتنا “سلام” تجاوز الثمانية آلاف ليرة، ما دفعها للاستغناء عن كتابين منهما، لأنها لا تملك المال الكافي، قائلةً: تبقى كتب الهيئة العامة السورية للكتاب أرخص ثمناً لكن جزءاً كبيراً من عناوينها سيئ ولا يناسب اهتماماتها، متسائلة عن أمجاد إصدارات وزارة الثقافة قديماً وأين ذهبت؟

“إن كانت المعارض فرصة للِّقاء مع الكِتاب ومُبدعيه، فهل يكفي أن تقام حفلات توقيع من دون أي حوار مع المؤلفين؟” يتساءل “محمد الدهان” القادم من حمص، مبدياً استياءه من أن الهدف الأسمى من المعرض لا يتحقق وهو “تلاقح الأفكار” و”مناقشة قضايا التبادل المعرفي”، بينما التركيز يكون على الأرقام من أن 237 دار نشر شاركت بأكثر من 50 ألف عنوان، من دون أن نسأل ماذا حقق هذا المعرض من قيمة مضافة على ثقافة السوريين؟

ويضيف “الدهان”: “للأسف أصبح المعرض مكاناً تجارياً بامتياز، بعدما تضاءل الاهتمام بإشاعة الثقافة المجتمعية في وعي القائمين والمشاركين فيه”، قائلاً: “أرى هذه النتيجة منطقية عندما يتولى الشأن الثقافي أشخاص بعقلية التجار، وعندما تخضع دور النشر للذائقة السائدة بغية تحقيق الأرباح فقط، من دون أي همّ معرفي أو فكري”.

تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق