ثقافة وفن

شيخ كار السينمائيين السوريين محمود حديد : كان هناك أهل صنعة من دون تقنيات واليوم لدينا تقنيات من دون أهل صنعة

بين الزوايا المضيئة حديثة الطابع لإحدى قاعات دار الأوبرا في دمشق، وبمساحة لا تتعدى بضعة أمتار مربعة، وضع أجهزته السينمائية القديمة التي هي “كل ثروته”، كما يقول شيخ كار السينمائيين السوريين “محمود حديد” في معرض يحلم أن يتحول في يوم ما إلى متحف، يعرّف العالم على تراثنا وحضارتنا.

يتجول بين الأجهزة، حانياً ومردّداً بأن “بلدنا عريقة وحرام أن يضيع تراثها”، مفتخراً بأنه “جامع لأكبر تراث تسجيلي ومرئي في الوطن العربي”، وبأن “شغفه وحبه” هو من قاده ليصبح شيخ كار السينمائيين السوريين منذ عام 2005، حين نال اللقب رسمياً.

يقول حديد لتلفزيون الخبر: “بدأت هذه الهواية منذ الخمسينات، ودخلت مجال السينما لرسم الصور القديمة وكتابة الإعلانات، حيث لم يكن هناك كمبيوترات، وكنت أعمل خطاطاً حينها، فأحببت عالمها الواسع، جامعاً الخط العربي والسينما”.

جمع حديد خلال سنوات حياته التي شارفت الثمانين، الكثير من التراثيات والورقيات التي تخص السينما والمسرح والفن، يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، ويروي كيف تأثر الفنانون العرب بفكرة عرض الأجهزة والآلات السينمائية القديمة، في المهرجانات السينمائية.

يقول: “شاركت مع أجهزتي القديمة في كل مهرجانات دمشق السينمائية، وكان الفنانون والسينمائيون العرب يعجبون بفكرة عرض الأجهزة ضمن فعاليات المهرجان، وبدأوا بدورهم بتطبيقها في مهرجانات بلدانهم مثل مصر وتونس”.

ويعتبر حديد أننا “لا زلنا فاشلين في مجال السينما، فالجيل الجديد العامل في السينما لا يأخذ بنصائح الكبار، والاستفادة من تجاربهم من النواحي الفنية، ويمكن القول إنه في البداية كان هناك أصحاب مهنة من دون تقنية، أما اليوم هناك تقنية من دون أصحاب مهنة”.

ولا يخف اعتزازه بالوحدة بين سوريا ومصر، معتبراً أن “السينما السورية تأثرت كثيراً بالسينما المصرية، التي كانت رائدة، في تلك الفترة، إلا أن التجربة السورية بقيت دون المستوى، بسبب اللهجة، فاللهجة المصرية تفهمها وتعتادها الشعوب العربية وهذا ما أعطاها شعبية ونجاحاً”.

ويأسف شيخ الكار لذلك “فسوريا تمتلك فنانين مبدعين، أبدعوا في مصر، مثل فريد الأطرش ويوسف شعبان وأنور وجدي وغيرهم”، يقول متابعاً تجواله بين الآلات الجميلة.

وأشار حديد إلى مواجع معظم الفنانين السوريين، الذين لا يحظون بالتقدير والتكريم إلا بعد مماتهم، فيقول “نحن نتوق إلى مساعدة العاملين في السينما، لكننا للأسف لا نحظى بتقدير جهودنا إلا بعد الممات، ولم يعد هناك من يرغب بالاستفادة من خبرات الكبار، وهذا ما نعتبره تكريماً لنا ونحن على قيد الحياة”.

ويتابع حديثه مشيراً إلى عدد من الآلات تبدو الأقدم في المجموعة، “تعلمت من نزيه شهبندر كيف أعدّل الآلات والمكنات، وأنجزت الأفلام بدافع الحب والشغف، وحصلت على أول مكنة صامتة، ثم الناطقة”.

ويتوجه نحو مكنة قديمة جداً، فيشرح آلية عملها مع البكرات والشرائط المتصلة بها، ويقول “عدل أديسون فيما بعد طريقة عملها، وعمرها أكثر من مئة عام، وهي إحدى أقدم الآلات التي أقتنيها”.

ويؤكد حديد أهمية تدريس السينما دراسة أكاديمية، “فالهواية وحدها لا تكف لتقديم شيء يصنع اسماً ويستمر، والأخطاء الفنية التي نلحظها في الأفلام الجديدة كثيرة، والحوار والنص يتكامل مع الصورة التي هي عامل أساسي لإيصال الفكرة “.

ويستذكر حديد أولى العروض السينمائية في دمشق والتي كانت في سينما “جان قلعة”، مكان مجلس الشعب حالياً، واحترقت فيما بعد، ثم انتشار السينما في المقاهي، وكيف تحولت بعض أماكن العروض إلى مسرح في النهار وسينما في الليل.

ويعقب بالقول: “انتشرت السينمات حيث كانت شيئا جديداً، وكانت تعلّم كل شيء، حتى الزراعة الطب والأفلام العربية، فالسينما مدرسة كبيرة وجميلة”.

ويتابع: “حفظت لديّ أقدم التسجيلات والأفلام التي فقدها حتى أصحابها، وكثيراً ما يأتي ورثتهم فيسألون عن أعمالهم ويجدونها لديّ، وفي إحدى المهرجانات قال لي أحد كبار المؤرخين المصريين: الحمد لله وجدت مجنوناً آخر مثلي”.

جاب حديد المحافظات السورية كافة في محاولة لجمع التراث المتعلق بالفن، فمن جرابلس أحضر فيلم توقيع الوحدة بين سوريا ومصر، ومن خلال لقاءاته الإذاعية جمع الكثير من التسجيلات القديمة والأعمال المنسية.

ومن المعرض الصغير، يشير إلى وجود عدد أكبر من هذه الآلات، ومجموعة أخرى لم يتمكن من عرضها بسبب حجمها وصعوبة نقلها، وتكاليف النقل وهي أجهزة حساسة تحتاج عناية خاصة، حسب وصفه.

يتمنى حديد أن يحظى التراث باهتمام ودعم أكبر، ويقول: “أحلم بمتحف خاص وثابت لهذه الآلات والبكرات والتسجيلات، ليعرف العالم أجمع ومن يزور سوريا أننا نمتلك إرثاً كبيراً وجميلاً، ككل البلدان التي تهتم بالسينما”.

ولد محمود حديد في دمشق عام 1940، وصوّر عن حياته أكثر من سبعة أفلام وثائقية عرضتها محطات عربية وأجنبية، كرّم في باريس ومنح شهادة تقدير من الفنانة كاترين دونوف، لمقتنياته السينمائية النادرة.

لحديد برنامجان في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وهما: نادي الفونغراف وأهل الفن، وهو برنامج من أقدم البرامج الإذاعية، كما يحمل حديد لقب شيخ الخطاطين السوريين.

رنا سليمان- تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق