ما الذي لا يخبرنا به “أكتوبر الوردي” .. لماذا لا تفحص السوريات للكشف المبكر عن سرطان الثدي؟

في كل تشرين الأول، تنشط حملات التوعية وتتكرر الدعوات إلى الكشف المبكر عن سرطان الثدي، وبمشاركة جهات حكومية ومنظمات أهلية ومبادرات مجتمعية، عبر أنشطة توعوية ودعوات إلى الكشف المبكر، وتسليط الضوء على أهمية الفحص.
وخلف هذه الحملات، تواجه النساء عوائق تتجاوز نقص المعلومات، من كلفة الفحوص والمواصلات إلى الخوف من النتيجة، والانشغال بأعباء الحياة، والقلق بشأن الخصوصية داخل المؤسسات الصحية.
التوعية لا تطعم خبزاً..
تروي “أم سليمان”، وهي سيدة خمسينية وأم لأربعة أبناء، لمنصة الخبر، أن “الذهاب إلى مدينة اللاذقية لإجراء الفحص قد يعني خسارة يوم من العمل ودخل كان يمكن أن تحققه من إعداد الطعام وبيعه. وبينما تدعو الحملات النساء إلى عدم تأجيل الفحص، تحسب هي كلفته وما قد يترتب عليه إذا كشفت النتائج عن مشكلة صحية تحتاج إلى متابعة”.
لا تكفي شهادة واحدة لتعميم أسباب إحجام النساء عن الفحص، لكنها تفتح سؤالاً يتجاوز الوعي الصحي: هل تستطيع النساء الوصول إلى الكشف المبكر، وتحمل تكاليفه، واستكمال الفحوص والعلاج إذا لزم الأمر؟
بحسب تقديرات الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، سُجل عالمياً نحو 2.3 مليون إصابة جديدة بسرطان الثدي و666 ألف وفاة مرتبطة به خلال عام 2022.
وفي سوريا، قدّرت بيانات المرصد العالمي للسرطان عدد الإصابات الجديدة بين النساء بنحو 4114 حالة في العام نفسه، ليكون سرطان الثدي أكثر السرطانات شيوعاً بين النساء في البلاد وفق هذه التقديرات.
وتعيد هذه الأرقام أهمية الكشف المبكر إلى الواجهة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الوصول إلى الخدمات، ولا تكشف أسباب تأخر النساء عن الفحص.
الكلفة الفعلية.. يومٌ بلا طبخ ولا بيع
تقول أم سليمان: “بعد فصلي من عملي، صار دخلي يعتمد على الطلبات اليومية. يوم الذهاب إلى اللاذقية المدينة، مع أجرة المواصلات، وقد تكون الطريق أصعب بسبب أزمة المحروقات، يعني يوماً بلا طبخ ولا بيع، وربما يعني طلبية تضيع”.
بالنسبة إليها، لا تقتصر الكلفة على سعر تصوير الثدي الشعاعي، المعروف بال”ماموغرام”، بل تشمل أيضاً الانتقال إلى المدينة وخسارة دخل يوم العمل. أما المراكز الحكومية، فتقول إنها تخشى مواجهة مواعيد بعيدة أو أجهزة معطلة أو ازدحاماً يزيد صعوبة اتخاذ القرار.
ولا تتوافر في الشهادة وحدها بيانات تسمح بتحديد مدى انتشار هذه المشكلات أو قياسها في المراكز الصحية. لكن دراسات سورية تناولت تأخر التشخيص والوصول إلى الرعاية تقدم مؤشرات تستحق المتابعة.
ففي دراسة منشورة عام 2022، شملت 519 مريضة بسرطان الثدي جرت متابعتهن في مركز البيروني الجامعي، قالت 126 مشاركة، أي نحو 24% من العينة، أن أكثر من ثلاثة أشهر مرت بين ملاحظتهن الأعراض ومراجعة الطبيب. كما ارتبطت صعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية الناجمة عن الحرب بارتفاع احتمال حدوث تأخر ملحوظ في المراجعة.
ورصدت الدراسة أيضاً تأخيرات مرتبطة بالنظام الصحي، بينها ارتفاع التكاليف والضغط على المستشفيات ونقص بعض الكوادر والتجهيزات والأدوية. لكن نتائجها تعود إلى عينة من مريضات جرت متابعتهن في المركز، ولا تمثل مسحاً وطنياً لجميع النساء أو لواقع الخدمات الحالي.
ترتيب الأولويات: “لا شيء يؤلمني.. فلا داعي”
تقول أم سليمان: “عندي أربعة أولاد في الجامعة وما بعدها، ومصاريفهم ومواصلاتهم وأقساطهم أولاً. تعودت، كأغلب الأمهات، أن أقدم الجميع على نفسي، وأن أقول: لا شيء يؤلمني، فلا داعي”.
تضع السيدة احتياجات أبنائها قبل الفحص الذي لا تشعر بوجود أعراض تدفعها إلى إجرائه. وفي حالتها، يتداخل تأجيل الرعاية الصحية مع مسؤوليات الأسرة والقدرة على تحمل النفقات، لكن لا يمكن اعتبار تجربتها وصفاً لجميع الأمهات أو النساء في سوريا.
وتظهر شهادات نساء أخريات ل”الخبر”، أن الانشغال بأولويات الحياة اليومية قد يكون سبباً مختلفاً لتأجيل الفحص. تقول امرأة ثلاثينية متزوجة ولديها طفلة، أنها لم تخضع لفحص مبكر، رغم اعتقادها بأهميته، لأنها كانت منشغلة بمشكلات أخرى تراها أكثر إلحاحاً، مشيرة إلى أنها تعتمد على الفحص الذاتي في المنزل.
وتقول امرأة عشرينية، خريجة جامعية ومتزوجة حديثا لمنصة الخبر،أنها لم تجرِ فحصاً طبياً للكشف المبكر، وتكتفي بمراقبة اي تغييرات ملحوظة في ثدييها باللمس، مضيفة أنها تعتزم مراجعة الطبيب عندما تبلغ الأربعين.
وتكشف الشهادتان اختلافاً في فهم معنى الكشف المبكر، إذ قد تعتبر بعض النساء أن الفحص الذاتي بديل كافٍ عن التقييم الطبي، أو يربطن بدء الفحوص بعمر معين من دون استشارة مختص.
لكن ملاحظة التغيرات في الثدي لا تعادل التصوير الطبي، ولا يمكن للفحص الذاتي وحده استبعاد الإصابة. كما أن تحديد الفحص المناسب وموعد البدء به يتطلب مراعاة العمر وعوامل الخطورة والإرشادات الطبية المعتمدة. ولا ينبغي انتظار بلوغ عمر معين، أو ظهور كتلة جديدة أو تغيرات مقلقة تستدعي التقييم الطبي.
الخوف.. بين النتيجة والمعرفة بلا قدرة على العلاج
تقول أم سليمان: “في داخلي خوف لا أقوله عن ماذا لو وُجد شيء؟ العلاج مكلف، ويعني سفراً وغياباً وتوقف العمل. فأميل لتأجيل المعرفة، لأن المعرفة بلا قدرة على العلاج وإيجاد حلول تبدو عبئاً. أنا مثل كل الأمهات، أول ما يخطر ببالي: ماذا سيحل بأولادي من بعدي؟”.
لا يتعلق الخوف هنا باحتمال الإصابة وحده، بل بما قد يأتي بعد التشخيص من نفقات والتزامات وتغييرات في الحياة اليومية. وتخشى السيدة أن تتحول نتيجة الفحص إلى رحلة لا تعرف كيف ستتحمل أعباءها.
وتتقاطع هذه المخاوف مع نتائج دراسة نوعية نُشرت عام 2024، تناولت تجارب 22 امرأة مصابة بسرطان الثدي في شمال غربي سوريا، استناداً إلى مقابلات أُجريت معهن عام 2022. تحدثت المشاركات عن الضغوط المالية التي فرضها التشخيص على أنفسهن وأسرهن، وأشارت معظمهن إلى أعباء السفر لمسافات طويلة، سواء داخل المنطقة أو خارجها لاستكمال بعض الخدمات العلاجية.
ولا تثبت هذه الدراسة أن الخوف من النتيجة هو سبب تأجيل الفحص لدى النساء عموماً، لكنها توثّق كيف يمكن أن تتداخل الأعباء المالية والاجتماعية مع رحلة العلاج بعد التشخيص.
وتقول “نور” لمنصة الخبر، وهي ناشطة تعمل في جمعية محلية تشارك سنوياً في حملات “أكتوبر الوردي”، أن الحملات تركز على أهمية المعرفة والكشف، بينما لا تجيب دائماً عن الأسئلة العملية التي تواجه النساء: أين يمكن إجراء الفحص؟ وما تكلفته؟ وماذا يحدث إذا أظهرت النتيجة مشكلة تستدعي المتابعة؟
وأكتوبر الوردي” هو الشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي، ويقام في الفترة من 1 إلى 31 أكتوبر من كل عام. وهدفه ورسالته الأساسية هي الكشف المبكر ونشر الوعي والدعم بالتضامن ومساندة المصابات والناجيات
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الكشف المبكر والتشخيص والعلاج، بحسب نور، فالكشف لا يكتمل بمجرد إجراء الفحص، بل يحتاج إلى مسار واضح لاستكمال التقييم الطبي والتعامل مع النتائج غير الطبيعية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن برامج التحري عن السرطان ينبغي ألا تقتصر على إجراء الاختبار، بل يجب أن تتوافر معها القدرة على تأكيد التشخيص وتقديم العلاج والمتابعة. فوجود الفحص من دون خدمات تستكمل مساره قد يترك النساء أمام نتائج مقلقة من دون إجابات كافية.
حملات التوعية لا تحل المشكلة العملية
وتشير شهادات أخرى إلى عامل مختلف يتعلق بالخصوصية. تقول امرأة ثلاثينية لديها أطفال أنها لا تجري فحوصاً طبية للكشف المبكر، رغم شعورها بأهميتها، بسبب مخاوفها بشأن احترام الخصوصية داخل المؤسسات الصحية. وتستعيد موقفاً دخل فيه طبيب إلى غرفة كانت تتلقى فيها إبرة في مستشفى خاص من دون استئذان، معتبرة أن التجربة جعلتها أكثر حذراً تجاه الإجراءات الطبية التي ترى أنها تمس خصوصيتها.
هذه شهادة عن تجربة شخصية لا تكفي لتقييم أداء المؤسسات الصحية عموماً، لكنها تكشف أن الثقة بطريقة تقديم الخدمة قد تؤثر في قرار طلب الرعاية.
وفي حلب، تقول امرأة خمسينية وأم لطفلين إنها تكتفي بفحص ثدييها أثناء مراجعاتها لطبيبة النسائية، بمعدل وسطي مرة سنوياً، لكنها لم تقتنع بإجراء تصوير الماموغرام. وتضحك بتوتر عندما تتحدث عن خوفها من النتيجة، مضيفة أنها تفضل عدم التفكير في الأمر ما دامت لم تلاحظ مؤشرات واضحة وأن طبيبتها لم تحذرها من شيء ملحوظ، خاصة أنها عايشت تجربة مؤلمة فقدت معها شقيقتها بعد صراع طويل مع مرض السرطان.
وتوضح هذه الشهادة أن إجراء فحص سريري أثناء زيارة طبية لا يعني بالضرورة أن المرأة خضعت لتصوير الثدي أو لاستراتيجية تحرٍّ مناسبة لعمرها وعوامل الخطورة لديها.
وتختلف دوافع النساء بين الخوف والانشغال والخصوصية والكلفة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد. لكن هذه الشهادات تطرح أسئلة عملية أمام الجهات الصحية: كيف يمكن جعل المعلومات أكثر وضوحاً، والخدمات أكثر سهولة، وتجربة المريضة أكثر احتراماً لخصوصيتها؟
ما قد يغيّر الوضع فعلاً؟ .. من التوعية إلى التمكين
تقترح النساء اللواتي تحدثن إلى “الخبر” مجموعة من الإجراءات التي يرين أنها قد تسهّل الخضوع للفحص، منها توفير خدمات مجانية أو مدعومة بالقرب من المناطق الريفية، وإيصال الخدمات المتنقلة إلى أماكن سكن النساء، وتوضيح مسار الإحالة إلى الفحوص والعلاج عند الحاجة.
كما تبرز الحاجة إلى إتاحة معلومات واضحة عن أماكن إجراء الفحوص وتكاليفها، وإلى ضمان احترام الخصوصية أثناء تقديم الرعاية، بما يساعد النساء على اتخاذ قراراتهن الصحية بثقة أكبر.
وتشمل المقترحات التي طرحتها النساء توفير مرافقة عند الحاجة إلى الذهاب للفحص، وإتاحة الفحص السريري في المراكز الصحية القريبة. لكن الفحص السريري لا يغني عن التصوير أو الفحوص الأخرى عندما يوصي بها الطبيب، ولا ينبغي تقديمه بديلاً عاماً عن الماموغرام لجميع الفئات العمرية.
ولا يمكن اعتبار هذه المقترحات حلولاً مثبتة الفاعلية في السياق المحلي من دون تقييم إمكان تطبيقها واحتياجات المناطق المختلفة. كما أن توفير أجهزة التصوير وحده لا يكفي إذا لم تتوافر الكوادر والمواعيد والفحوص التكميلية وخدمات العلاج.
وبالنسبة إلى النساء، فإن معرفة مكان الفحص وكلفته وطريقة الوصول إليه، وما ينبغي فعله بعد ظهور النتيجة، قد تساعد في تحويل الدعوة العامة إلى خطوة قابلة للتنفيذ.
قد تنجح الحملات الوردية في إيصال الرسالة، لكن أثرها يبقى محدوداً إذا لم تترافق مع معلومات عملية وخدمات يمكن الوصول إليها واستكمالها.
جهود رسمية لتوسيع الخدمة.. ماذا تقول الأرقام؟
تعمل وزارة الصحة السورية على توسيع خدمات الكشف المبكر عن سرطان الثدي عبر زيادة عدد أجهزة التصوير الشعاعي وتوفير الفحوص المجانية في مراكز ومشافي حكومية، بالتوازي مع حملات توعية وشراكات مع جمعيات أهلية، بحسب التصريحات الرسمية التي نقلتها وكالة “سانا”.
وفي 7 تشرين الأول 2026، أعلنت الوزارة عن إطلاق حملة وطنية للكشف المبكر عن سرطان الثدي، كما أعلنت ارتفاع عدد أجهزة الماموغرام المستخدمة من 30 إلى نحو 45 جهازاً، مع وجود جهاز واحد على الأقل في كل محافظة، وخطة للأعوام 2026–2028 لتوفير جهاز واحد على الأقل في كل منطقة صحية، إلى جانب الخدمات اللازمة لاستكمال الفحوص بعد ظهور النتائج. كما تحدثت عن استمرار تقديم الماموغرام مجاناً ضمن المراكز المحددة للحملة.
وتعكس بيانات حملة عام 2025 حجم النشاط المنفذ، إذ أعلنت الوزارة استفادة أكثر من 900 ألف امرأة من خدمات الحملة التي شملت 980 مركزاً صحياً، بينها 36 مركزاً مجهزاً بأجهزة الماموغرام. كما أحالت 46,370 امرأة لإجراء الإيكو، و36,755 امرأة لإجراء الماموغرام لاستكمال التقييم الطبي، وفق الإحصاءات التي نشرتها وكالة سانا.
وتشارك جهات أهلية في تقديم بعض الخدمات، إذ أعلنت جمعية تنظيم الأسرة السورية توفير إيكو الثدي في خمسة مراكز تابعة لها، إلى جانب تسيير نحو 14 فريقاً جوالاً للوصول إلى مناطق بعيدة.
لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها مدى قدرة النساء على الوصول إلى الخدمة أو استكمال مسار التشخيص. فعدد المستفيدات من الحملة لا يعني أن جميعهن خضعن للتصوير الشعاعي، كما أن أعداد المحوّلات إلى فحوص إضافية لا توضح كم منهن استكملنها أو حصلن على العلاج عند الحاجة. لذلك، يبقى تقييم أثر هذه الجهود مرتبطاً ببيانات عن المواعيد، وتوزع الخدمات، وانتظام عمل الأجهزة، وتكاليف الفحوص التكميلية، ومتابعة النساء بعد ظهور النتائج.
وبالعودة إلى “أم سليمان”، تختم حديثها وهي تشير إلى جوالها: “وصلتني صباحاً رسالة تدعوني للبدء بنفسي ومشاركة الوعي وفيها رابط لأعرف المراكز، للحقيقة ليس لدي باقة انترنت لأعرف ربما سأحاول غداً اذا كان المركز قريبا والفحص مجاني ربما سأقوم بالفحص”. وتتابع بما يبدو أنه خجل اكتسى وجهها “ما قلّة وعي لا والله.. يمكن قلّة حيلة”.



