من كل شارع

ليس كل خبر حقيقة: كيف نميز بين المعلومة الموثوقة والمضللة في زمن الفوضى؟

كيف نميز بين المعلومة الموثوقة والمضللة في زمن الفوضى؟

شهدت السنوات الأخيرة انفجاراً في حجم المعلومات المتدفقة عبر المنصات السورية، ووسائل الإعلام التي تتناقل معلومات وأخبار عن الوضع السوري. وترافق هذا التدفق الهائل مع غياب المرجعيات الواضحة، وتراجع ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، إضافة إلى التوتر النفسي الناتج عن الأزمات المتتالية، في ظل الحاجة الماسة للمعلومات.

وفي زمن “الترند”، حيث تتدفق الأخبار بسرعة غير مسبوقة وتتصارع الروايات على منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد المتلقي مجرد مستقبل للمعلومة، كما لم يعد الأمر يتمحور حول فلسفة نقاش أكاديمي، بل أصبح أمام قضية وعي مجتمعي تمس الأمن العام وتؤثر في القرارات الفردية والجماعية، وبات لزاماً عليه الإجابة على سؤال: كيف نُميز بين الخبر الموثوق والمحتوى المضلل؟ .

 

لماذا نصدق الخبر المضلل بسهولة؟

يقول الصحفي وهاج عزام الذي يدير منصة “الدليل” المختصة بالتقصّي والتحقّق من الأخبار، لتلفزيون الخبر:

“إننا كسوريين لم نخضع لقدر كافٍ من التوعية حول التضليل وطرقه وكيفية تقصي المعلومات، عدا عن كوننا شعوباً محكومة بالعاطفة، فنتداول الأخبار التي تتوافق مع عواطفنا دون أي تحليل أو نقد لها. ولا يقتصر ذلك على مشاركة الأخبار التي تتوافق مع رأينا، بل يصل الأمر إلى تداول أخبار ندرك خطأها، لكننا نشاركها لتشويه صورة الآخر المخالف لنا”.

 

 

بدورها تُفسر الأخصائية الاجتماعية غُدران نجم سبب تصديق المحتوى المُضلل خلال حديثها مع تلفزيون الخبر إلى أن : “الأخبار المضللة تنجح لأنها تخاطب خوف الإنسان وحاجته للانتماء. فنحن نصدق الخبر المضلل ليس لأننا بسيطون أو سُذّج، إن صح التعبير، بل لأن عقولنا مبرمجة على الاختصار لا على التدقيق، خاصة في أوقات الضغط والخوف. ومن منظور اجتماعي ونفسي هناك عدة أسباب لتصديق الأخبار المضللة. بدايةً، الإنسان يميل لتصديق أي معلومة تثير مشاعره (خوف، غضب، تعاطف)، فالأخبار المضللة تُصمَّم لتخاطب المشاعر لا التفكير. والصدمة تُعطّل التفكير النقدي مؤقتاً، بمعنى خبر عن خطف أطفال ينتشر في مجموعات الأهل، حتى لو لم يحدث في منطقتهم أصلًا”.

وتتابع نجم:

“الأخبار المضللة تؤكد ما يؤمن به الفرد أصلاً أو مسبقاً. وهنا نتحدث عن فكرة التحيز التأكيدي، حيث نميل لتصديق ما يشبه أفكارنا وقناعاتنا وما تربينا عليه، ونرفض المعلومة المخالِفة. ونصدّق ما يريحنا نفسياً، مثل شخص لا يثق ولا يؤمن بالطب الحديث، سيصدق أي خبر يسيء للأطباء أو اللقاحات”.

 

وتكمل نجم: “هناك أيضاً تأثير ضغط الجماعة، فالمعلومة التي تأتي بسرعة ومن أكثر من مصدر نشعر أن الجميع صدقها، فإذاً هي صحيحة. وهذا ما نراه منتشراً على مواقع التواصل الاجتماعي، فالكل يشارك نفس المعلومة دون تدقيق حتى. إضافةً إلى الخوف من الاختلاف أو الظهور بمظهر الجاهل، يدفعنا للتصديق والمشاركة. مثل خبر يقول: (تحذير عاجل: مادة غذائية منتشرة تسبب السرطان)، فنشارك الخبر فوراً بدافع الخوف على أنفسنا وأطفالنا، قبل أن نسأل: من قال ذلك؟ وهل هناك مصدر علمي؟ ويضاف إلى ذلك الإرهاق الرقمي، وهو من أكثر العوامل تأثيراً حالياً، فكثرة الأخبار تجعل العقل يتعب، فيتوقف عن التحقق، ويبحث عن أسرع تفسير”.

كيف نتلقى بوعي؟

يرى وهاج عزام أن التلقي الواعي صعب جداً، ويعلل ذلك: “في بيئة مفتوحة على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيس بوك كسوريا، هذا الأمر صعب. لكن توجد بعض الدول، كالصين مثلاً، حجبت المواقع التي تتداول أخباراً مضللة ضدها خلال كورونا، وخصصت منصة لمعرفة الأخبار الصحيحة للصينيين، وكانت تجربة فعالة. وعليه، علينا في سوريا إنشاء منصة داخلية مستقلة موثوقة للتحقق من المعلومات، مضبوطة من قبل جهات إعلامية وحكومية ودولية موثوقة. فمن الصعب نشر الوعي بهذا الفضاء الكبير مع تواجد حملات التحريض، إضافة لعقلية التحزب والتمترس والطائفية، ما يمنع ويُعيق الحلول القادمة من الجمهور ويجعلها مطلوبة من جهات أعلى أكثر موثوقية”.

وتنوه غُدران نجم إلى أن: “التأني قبل التداول هو مفتاح التلقي الواعي. وهذا لا يعني أن نشك بكل شيء، بل أن نُبطئ ردّة فعلنا. وكأخصائية اجتماعية، أقول دائماً: التلقي الواعي يبدأ بثانية صمت قبل المشاركة، ثانية فقط لأجعل الفكرة تدور في رأسي. كما يمكن للقارئ أن يطور مهارة التلقي الواعي ببساطة عندما نسأل أنفسنا أسئلة بسيطة قبل التصديق: من نشر الخبر؟ لماذا نُشر الآن؟ ما الشعور الذي يحاول إثارتَه داخلي؟ وإذا كان الجواب الخوف أو الغضب، فعلينا أن ننتبه، غالباً هناك تضليل. إضافةً إلى الفصل بين الخبر والمشاعر، حيث نقول لأنفسنا: أنا منزعج من الخبر، لكن هذا لا يعني أنه خاطئ. هذه مهارة نفسية مهمّة جداً”.

المصادر الموثوقة والمتداولة

ليس هناك مصدر موثوق فقط لأنه مؤسسة إعلامية مشهورة أو منصة لديها وصول عال، وأرقام كبيرة، ويمكن القول أن المصدر الموثوق هو جهة تتحمل مسؤولية النشر، وتلتزم بمعايير واضحة، حيث تتميز بالشفافية والاعتراف بالأخطاء عند حدوثها، علاوة على الاستقلالية التحريرية، حيث لا تخضع لتمويل أو أجندة سياسية مباشرة تؤثر على المحتوى. كما لديها شبكة مراسلين واسعة، وتتميز بالتدقيق التحريري الصارم، وتمتلك سمعة تاريخية وسجلاً طويلاً في الصحافة المهنية.

ومن المصادر الموثوقة للأخبار وكالات الأنباء العالمية الكبرى والمؤسسات الإعلامية مثل: أسوشيتد برس (AP)، وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)، رويترز، وغيرهم. يضاف إليها البيانات الحكومية، وتقارير المنظمات الدولية، والمؤسسات القضائية، والمراكز البحثية المعتمدة، واللقاءات والمقابلات المباشرة مع الخبراء أو الشهود.

وعليه، فالخبر المنشور عن مصدر موثوق هو معلومة منشورة من جهة إعلامية مسؤولة، مدعومة بأدلة قابلة للتحقق، بهدف نقل الواقع بدقة وموضوعية وبناء ثقة مع الجمهور. أما الخبر المنشور عن مصدر متداول، فهو محتوى ينتشر بسرعة عبر الناس أو المنصات دون مصدر واضح أو توثيق، ويعتمد على الصياغات العاطفية بقصد لفت الانتباه ومجاراة الترند.

مع العلم أنه حتى المصادر الموثوقة ربما تخطئ أو تتحيز، لذلك من الأفضل المقارنة بين أكثر من مصدر قبل اتخاذ موقف. وفي السياق السوري، من المهم التحقق من الأخبار عبر وكالات عالمية محايدة، ثم مقارنة ما يُنشر محلياً لتفادي التضليل.

كيف يمكن تمييز المتداول عن الموثوق؟

الإجابة على هذا السؤال تعتبر مهمة شاقة للعاملين في قطاع الصحافة والإعلام، فكيف بالمواطن العادي الباحث عن “الخبر الحلم” الذي يُخلصه من مشاكله؟ هذا التفصيل أوقع المواطن السوري في حيرة من أمره، وخلق حالة أشبه بالعجز، لا يدري كيف يتبين معها الخبر الصحيح من الخاطئ.

حول هذه الجزئية يؤكد وهاج عزام: “الأمر يحتاج لمتابعة دورية وبحث في توجهات المصدر لمعرفة هل يطرح الخبر الحقيقي أم نصف الحقيقي، وأيضاً من خلال متابعة المصادر الرسمية والإعلامية الكُبرى، دون السير خلف الصفحات الوهمية أو التحريضية”.

وتتفق غُدران نجم مع كلام وهاج عزام: “يجب التحقق من المصدر لا من العنوان، فالعناوين المضللة تكون عادة لها مواصفات واضحة، فنجدها صادمة وعاجلة وغير محددة، دون ذكر مصدر لها أو دراسة واضحة عنها”.

كسر حلقة التضليل

سوريا التي عانت ما عانته خلال أربعة عشر عاماً، جعلت اللحظة الواحدة حُبلى بالأخبار والتفاصيل، الكثير منها مُسَيَّس بهدف خلق الأزمات. وعليه، شاعت عدة أنماط لجذب القارئ نحو أخبار مضللة، منها اعتماد سياسة العناوين المثيرة عبر صياغة خبر بصيغة صادمة لجذب الانتباه دون مضمون حقيقي، إضافةً إلى استخدام صور قديمة أو خارجة عن سياقها لإيهام القارئ بصدق المعلومة. والأهم هو نسب الأخبار إلى “تسريبات” أو “مصادر خاصة” دون توثيق، الأمر الذي جعل السوريين جميعاً أمام مسؤولية حقيقية لقطع الطريق على الأخبار المُضللة.

ويشير وهاج عزام إلى أنه: “في الحالة السورية، وخصوصاً عقب سقوط النظام، ظهرت الكثير من الصفحات التي تنشر معلومات باسم محافظات أو مجتمعات كاملة، وحتى هناك صفحات باسم إدارة العمليات العسكرية، وكلها صفحات وهمية تنشر أخباراً مغلوطة وتحريضية. وللتعامل العملياتي مع هذه المعضلة يجب عدم مشاركة أي محتوى غير موثوق أو التفاعل معه، ومتابعة المصادر الموثوقة، وخصوصاً المستقلة منها، والمواقع والمنصات التي تكافح التضليل”.

أما الأخصائية نجم، فترى أن كسر الحلقة يبدأ بـ: “ألا نكون ناقلين تلقائيين، فالتلقي الواعي مسؤولية اجتماعية، حيث إن مشاركة خبر خاطئ قد يخلق هلعاً، وصمتنا أحياناً عن نقله يكون حماية للآخرين. وهنا تأتي مهمة تدريب الأطفال والمراهقين بالقدوة، فعندما يروننا نقول: (خليني أتأكد قبل ما أصدق)، نبني جيلًا أكثر وعياً وأقل قابلية للتضليل. بالمحصلة، التلقي الواعي لا يحتاج ثقافة عالية بقدر ما يحتاج هدوءاً، سؤالاً، ومسؤولية”.

في النهاية، المسؤولية المجتمعية الفردية ليست مجرد خيار، بل أداة قوية لكسر دائرة التضليل وبناء وعي جماعي أكثر صلابة في مواجهة الإشاعات والأخبار التي ينقلها البعض عن حسن نية، لكنها تخفي بين طياتها انفجارات مجتمعية ربما تكون غير قابلة للإصلاح. وهنا تكمن خطورة الكلمة والخبر، وضرورة التعامل معهما بكامل الوعي الوطني.

تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى