ثقافة وفن

بين “الهايكو” و”الومضة”.. الشعرية هي الأساس

خلصت المناظرة التي جرت بين مُناصري “الهايكو العربي”، والمُدافعين عن “قصيدة الومضة” إلى أن الشِّعرية هي العامل الأساس في التقييم، وذلك رغم القيود التي تُكبِّل “الهايكو”، والحرية المُتَّسعة أكثر في “الومضة”.

المناظرة تمت بين الكاتب والناقد اللبناني “أمين الديب” رئيس ملتقى الأدب الوجيز، وإلى جانبه الناقدة اللبنانية “لارا ملاك” كمُدافعين عن شرعية “الومضة” عربياً، وبين د.”سامر زكريا” مؤسس مجموعة “هايكو ¬سوريا”، ود. فادي محمود رئيس مجموعة “هايكو المجاز والتأويل” ومجموعة من شعراء الهايكو: هالة الشعار، عصام زودي، ميسون آرا، خالدة أو خليف، نجوى شعلان، فاديا سلوم.

“أمين الديب” رأى أن الاقتباس من الآخرين موت حضاري، وبما أن الشعر هو عودة من اللطافة إلى الكثافة، لذا تأتي قصيدة الومضة، على عكس الهايكو، منطلقة من طبيعة روحيتنا وشخصيتنا المجتمعية، ونابعة من نظرتنا للفن والمستقبل.

واعتبر “الديب” أن ثمة الكثير ممن يستوردون القالب الشعري وأفكاره من دون أن يكون لقصائدهم ما ينبع من مناقبنا وفكرنا وقيمنا، وقُوبِل ذلك بنقدٍ غير أصيل أيضاً، يُقلِّد الغرب، ما جعل شعرنا مُدمَّراً وغير قابل على النهوض والتجاوز إلا ما ندر.

“أمين الديب” قال: الهايكو قصيدة واقعة ضمن شكل، لذا فهي فاقدة للحرية بمعنى مجازي، وهي موضة انتقلت إلى سوريا، أما الومضة فمتحررة أكثر، وهي وجهة نظر للحياة والفن.

وأضاف: العادة أقسى أنواع الحب، لذا علينا أن نخرج إلى الحب الجميل، ونعرف ما هي المنطلقات الفكرية التي تجعلنا متحمسين لصناعة شيء نابع من ثقافتنا، وبالتالي قادرين على التغيير والتطور وابتكار وجودنا الإبداعي الذاتي من دون تقليد، ويعطي للشعرية مدىً أوسع.

ويبين الديب في إحدى مقالاته أن الومضة هي شعر الصمت الإيجابي، الناجم عن التأمل العميق المرتكز على تجربة شعرية مُتأصلة في مواكبة الأزمان الشعرية ومراحل تطورها وتجددها وانبعاث قيمها السياسية والاجتماعية والأخلاقية.

“سامر زكريا” دافع عن “الهايكو” بأن اللغة العربية أهم لغة وقادرة على إنتاج هايكو رفيع المستوى، قائلاً: “صحيح أن منشأ هذا الفن ياباني، لكنه لم يبق يابانياً، فهو نص ذو مشهدية ينطلق من المحسوس إلى اللا محسوس، ومن الظاهر إلى الباطن، ومن المادي إلى الميتافيزيقي”.

وأضاف: الهايكو في سوريا نشأ في مرحلة “الربيع العربي” السيئة، وشعراؤه كانوا بحاجة لإنجاز شيء إبداعي جديد يشعرنا بوجودنا رغم هزائمنا الروحية فكانت تلك النصوص المختزلة العميقة التي أفرزت تطوراً عمودياً بعد التطور الأفقي الذي حصل.

وأوضح زكريا أنه في الهايكو العربي تم استبدال المقاطع الصوتية، بالموسيقى الداخلية للمفردات وترابطها مع بعضها، ما يؤهله لأن يكون أقوى من نظيره الياباني أو حتى الإنكليزي والفرنسي، مُبيِّناً عدم ضرورة دمجه مع قصيدة الومضة أو الانضواء تحت جناحها، فلكل منهما كيانه المستقل.

والهايكو بحسب الويكيبيديا هو نوع من الشعر الياباني، يحاول شاعره التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة من خلال بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، تكتب في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة)، أما عربياً فاستبدلت المقاطع الصوتية بالإيقاع الداخلي للنص.

“لارا ملاك” قالت إن الإيقاع الداخلي موجود في قصيدة الومضة أيضاً، مبينةً أن الشعر العربي يحتاج لما هو أكثر من المشهدية التي يحققها الهايكو، وعليه أن يكون أكثر باطنية وإضماراً وأن يحقق الاشتباك الدلالي بعيداً عن التبسيط.

الشاعرة هالة الشعار من جهتها أوضحت أن الومضة قصيدة منتهية، تقدم حدثاً فنيا كاملاً لكنها مفتوحة دلالياً، وأكثر ما يجمعها مع الهايكو وقصيدة النثر الحديثة… الكثافة والدلالة العالية بعيداً عن التصنيفات.

واتفق المجتمعون في نهاية المناظرة على أن تسمية “الأدب الوجيز” بمفهومه “كلام قليل ومعنى كثير” تنطبق على كلا الفنين “الهايكو” و”الومضة” وأن المهم في كليهما هو الشعرية العالية، على اختلاف الضوابط التصنيفية، لذا من المهم التركيز على الجوهر الشعري أكثر من القالب، مع عدم الاستسهال والادعاء الفارغ لكثير ممن أسموهم “شعراء الفيسبوك”.

بديع صنيج- تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق