ثقافة وفن

المسكيني: فيروس الكورونا “أعاد الإنسانية إلى البيت”

ربما لم يكن أحد ليتخيّل قبل تفشّي فيروس كورونا أنّ البقاء في المنزل سوف يصبح القلعة الأخيرة لحماية مساحة “المناعة” التي تُبقي “جسماً صحيحاً” في مأمن على نفسه من “العدوى”.

“كل الإنسانية اليوم عادت إلى المنزل” هذا ما قاله الفيلسوف التونسي “فتحي المسكيني”، مبيناً أن “كورونا” تهديد لمجرّد «الحياة» بوصفها مختزلة هذه المرة في مساحة المناعة التي يحتاج إليها جسم ما كي لا ينقرض، ومن ثمّة صار يجب إبقاؤها في المنزل دونما خجل يُذكر.

وبعد أن تحول المنزل فجأة إلى المساحة الوحيدة التي يلوذ بها الأحياء من أجساد بعضهم بعضاً “بعد أن حوّلهم الفيروس إلى آلات عدوى تعمل ببراءة فظيعة” بحسب المسكيني، بات لا معنى للحديث عن أيّ نيّة وبائيّة قد يبطنها جسم ضد جسم آخر.

يقول المسكيني: “إنّ المنزل صار المعبد الوحيد والأخير، حيث يفرّ الناس بأنفسهم، من العدوى/‏‏‏ الخطر الوبائي العالمي غير المرئي الذي يجعل من كل “آخر” مهما كان نبله أو قرابته، مجرد كائن، ناقلاً لوباء أخرس”.

ويوضح الفيلسوف التونسي أن سؤال الشاعر “هولدرين” عن “كيف نسكن العالم؟”، صار فجأة هزيلاً، وتحول بالضرورة إلى “كيف نسكن بيوتنا؟” بوصفها “العالم” الوحيد المتبقي لنا، بعدما تجرّد مفهوم العالم الحديث من صلابته وحوّله إلى مشهد كارثي هشّ ومعتذر.

ويتحدث المسكيني عن “الضيافة غير اللائقة” أي غير المنسجمة مع الحجر، موضحاً أن متوالية من القيم الأخلاقية انهارت فجأة، بما يعاكس مقولة جبران «لولا الضيوف لكانت البيوت قبوراً»، فالخوف من الوباء أعاد مشاعر الناس إلى بدائيّتها.

“لكنّ المنزل ليس موقفاً سياسياً أو أخلاقياً من أحد، كما أنه ليس فوبيا هوية ضد الغرباء وإنما تمرين على تحويل البيت إلى عالم احتمائي ضد الوباء ويجب ألا ينقلب إلى حماسة عنصريّة كما وقع في الغرب تجاه الصينيين، كما أنه ليس استقالة من الإنسانية التي تجمعنا بالآخرين” كما يقول المسكيني.

ويضيف: “إنّ البقاء في البيت طويلاً يتطلب تقنية نجاة من الداخل ليس من البدهي توفّرها لدى أيّ كان. فبعض الأفراد يمكن أن ينهار من الداخل لمجرّد أن يفقد روابطه العمومية، كما من الممكن الحديث عن اكتشاف جديد لفضيلة الوحدة بوصفها وضعاً عالميّاً”.

كانت الوحدة فيما سبق فضيلة أرستقراطية للفلاسفة أو ترفاً أدبيّاً للرومانسيين أو مرضاً نفسيّاً بالتوحّد، لكنّ الوباء العالمي جرّدها من كلّ قيمة رمزية، فـ”الوحدة التي يفرضها الخوف الوبائي هي نوع غير مسبوق يتصف بأنه حمية للذات تعيد إلى الواجهة معنى قديماً جداً للحياة هو فن البقاء” كما يقول المسكيني.

ويضيف: “كما أن زمن الوباء غيّر من معنى “الذات” بطريقة مرعبة، إذ لم يعد يمكن أن نستمدّ معنى هويّتنا من أيّ مصدر آخر غير أجسادنا بمجرّدها، ويترافق ذلك مع تكوّن سريع لنوع من “الذات المنزلية” التي تعتبر “البقاء” معركة حياة، وليس موضوعة وجودية أو لاهوتية ولا حتى مشكلة أمنية”.

يقول المسكيني: “علينا أن نتدرّب على مهمّة “عالميّة” جديدة هي “البقاء في البيت” باعتبارها مساحة الانتماء إلى أنفسنا، بحيث لا يعني الشعور بالأمان غير القدرة على أن نكون مع أنفسنا من دون أن يكون الحضور المادي للآخرين عاملاً حاسماً، طالما أنهم ليسوا وباءً”.

وإنّ تفشيّ فيروس كورونا أعاد إلى المنزل وظيفته البدائية: الحماية من خطر الانقراض تحت تهديد حيوانات مفترسة مع تغيُّر دلالة “الافتراس أو التوحّش”، وكأننا “نشهد عودة مثيرة للعلاقة الكهفية بأجسادنا” بحسب تعبير المسكيني.

يقول: “يتحوّل “البقاء في المنزل” إلى تنشيط صريح لمقولة “العودة إلى الكهف” مؤقتاً، لأنّ العالم الخارجي، صار خطراً على الأجساد. وإذا صحّ أن الفيروسات هي في سلّم تاريخ الحياة مواد وراثية ظهرت قبل البشر على الأرض، فإنّ الأدب المناسب لمقاومتها لا بد أن يكون أيضاً بدائيّاً”.

يذكر أن فتحي المسكيني (1961) فيلسوف ومترجم تونسي وشاعر، حاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة، ويعمل كأستاذ تعليم عال في جامعة تونس، له العديد من المؤلفات منها: نقد العقل التأويلي، الهوية والزمان، الهوية والحرية، الفيلسوف والإمبراطورية، والعديد من الترجمات.

بديع صنيج- تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق