ثقافة وفن

الدراما السورية.. بين “البوتوكس” و”الفينير” ضاعت المعايير

يبدو أن ثمة فهماً خاطئاً لمقولة “سيدفيلد” صاحب كتاب “فن السيناريو” من أن “مستقبل الدراما سيكون للشكل وليس للحكاية”، فما كان يقصده هو الاهتمام بالحبكة وتشابكات الخطوط الدرامية، وليس حقن وجوه الممثلين بالبوتوكس، والخضوع لعمليات “الفيلر” (ملء الشفاه)، والتأكيد على ابتسامات هوليوود الآسرة.

الموضوع تعدَى الفهم الخاطئ إلى الإمعان في “التمثيل بالجمهور”، وليس التمثيل بقصد الترفيه عنه، فما نشاهده في هذا الموسم هو “جرائم درامية” كاملة الأوصاف، بعيدة كل البعد عن تطبيق نظرية “إدوارد كوردون كريغ” في تحويل الممثل إلى دمية سامية، لأن ممثلاتنا على وجه الخصوص بتن “باربيّات” لكن بلا ملامح ولا جَمال.

تخيَّلوا معي ممثلة لم تعد قادرة على العُبوس مثلاً، وإن ضحكت “تتجعلك” قَسَمات وجهها بالكامل، وفي حال رغبت بإعطاء انطباع الغضب والحِنْق، فإنها تهوج وتموج، لتصبح شفتها العُليا في جهة، بينما كراسي خدودها في الجهة الأخرى.

الأنكى أن مُعظم تلك الحالات “اللا درامية” على الإطلاق، تُتْحِفُنا بها المسلسلات التي تستقي من التاريخ القريب أو البعيد مواضيعها، وبالتالي فإن منسوب بالمصداقية يتدهور، وتُصبح كمُتابع غير قادرٍ على التعاطف مع الشخصية، ولا حتى مع ما تحمله من أفكار، فكيف إن كانت بلا أفكار أساساً.

حتى في الفنتازيا التاريخية موضوع عمليات التجميل المُعاصرة غير وارد، إلا إذا افترضنا جدلاً أن تلك الأعمال الدرامية هي برعاية مراكز شدّ البشرة، وعيادات أطباء الأسنان، وشركات استيراد السيليكون، فحينها سنفهم أن تصبح “الدراما كلبة سيِّدها المُنتِج”.

وحتى في هذه الحالة ستسقط الدراما في فخ أوهام الجمال، وتسقط معها كل مدارس التمثيل الطبيعية، والواقعية، وكل ما نظَّر له ستانسلافسكي، وبريخت، وأنطونان أرتو، وفيزفولد مايرخولد، وغيرهم، ما يستدعي نظرية جديدة لدرامانا، ربَّما تحمل اسم “دراما فانتاكوزية” أو “دراما الحقن”.

والطامة الكُبرى هي عدم التوافق بين وضع الشخصية الاجتماعي، وما خضعت له من عمليات تجميل، فكيف لممثل يؤدي دور مُتسوِّل أن يكون بأسنان تشبه صفة اللولو في فم براد بيت؟! وكيف يستوي لموظفة أربعينية فقيرة ومُنهكة بالهم والديون أن تمتلك بشرة ألماسية مثل “سكارليت جوهانسون”؟!

كل هذا التخبيص الدرامي يدعنا نترحم ألف مرة على الماكيير المبدع “صبري المصري” الذي كان يؤكد على أن أفضل ماكياج درامي هو الذي لا تلحظه، وأن الجَمال ينبع من التميُّز في أداء الشخصية وليس من جمالِ مظهرها الخارجي.

لذا ندعوكم أيها الدراميون، أن تكتفوا من تجريعنا الرداءة تلو الرداءة، وأن تعودوا إلى صوابكم، فليس بالفيلر والبوتوكس وابتسامات هوليوود تحيا الدراما، بل بكل إبداعٍ وصِدْقٍ في نقل ملامحنا وآمالنا وآلامنا من دون تكلُّف.

بديع صنيج- تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق