قرار “منع المكياج” في اللاذقية يشعل جدلاً واسعاً: صلاحيات ادارة حدود الحرية وتمييز ضد النساء

أثار قرار صادر عن محافظ اللاذقية يقضي بمنع الموظفات من وضع المكياج داخل المؤسسات الحكومية جدلاً واسعاً خلال الساعات الأولى من تداوله، قبل أن تؤكد المحافظة صحته عبر بيان رسمي.
القرار الذي قُدّم بوصفه إجراء تنظيمياً يندرج ضمن “تنظيم المظهر الوظيفي”، فجّر نقاشاً قانونياً وحقوقياً واجتماعياً تجاوز مضمونه الإداري، ليكشف عن أنماط تمييز وسخرية ممنهجة طالت النساء، سواء في صياغة القرار أو في التفاعل الشعبي معه.
من التشكيك إلى التأكيد الرسمي
في ساعاته الأولى، قوبل القرار بحالة من التشكيك، حيث اعتبره كثيرون “إشاعة” أو “نكتة ثقيلة”، قبل أن تصدر محافظة اللاذقية بياناً رسمياً أكدت فيه صحة التعميم، موضحة أن المقصود ليس “المنع” بل “تنظيم المظهر الوظيفي بما يحقق التوازن بين الحرية ومتطلبات العمل الرسمي”، مع إبداء استعدادها لتوضيح أي لبس في التطبيق.
غير أن هذا التوضيح لم يهدئ الجدل، بل فتح باباً أوسع للتساؤل حول السند القانوني للقرار وحدود صلاحيات السلطة المحلية في التدخل بالمظهر الشخصي للموظفات.
جدل حول تجاوز دستوري
انقسمت آراء السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من رأى أن للمحافظ، بصفته أعلى سلطة تنفيذية محلية، حق إصدار تعاميم تنظيمية تتعلق بسلوك الموظفين ومظهرهم، ومن اعتبر أن القرار يتجاوز هذا الإطار ويمس جوهر الحريات الشخصية المكفولة دستورياً.
وبحسب الإعلان الدستوري السوري المؤقت لعام 2025، تكفل المادة 12 حماية الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، بينما تنص المادة 13 صراحة على حماية الحياة الخاصة ومنع أي اعتداء عليها دون سند قانوني. ويُدرج المظهر الشخصي، وفق التفسير القانوني السائد، ضمن نطاق الحياة الخاصة ما لم يرتبط مباشرة بطبيعة العمل أو مقتضيات السلامة العامة.
كما ينص قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 على عدم جواز فرض قيود على حرية العامل الشخصية، بما في ذلك الزي أو المظهر، إلا إذا كانت مبنية على معايير موضوعية تتعلق بطبيعة العمل نفسها، ومثبتة في نظام داخلي أو نص قانوني واضح.
“صلاحيات إدارية تنظيمية”
في مقابل الأصوات التي رأت في القرار انتهاكاً مباشراً للحريات، برز رأي مختلف اعتبر أن أصل التعميم لا يخرج بالضرورة عن إطار الصلاحيات الإدارية، إذا ما أُدرج ضمن مدونة سلوك مهنية واضحة تحكم بيئة العمل في المؤسسات العامة، على غرار ما هو معمول به في قطاعات مصرفية وشركات خاصة تفرض ضوابط محددة للمظهر العام. هذا الطرح لا ينفي أهمية حماية الحرية الشخصية، لكنه يميّز بين التدخل التعسفي، وبين تنظيم إداري مشروع يفقد مشروعيته فقط حين يُصاغ بشكل انتقائي، أو يستهدف فئة بعينها دون معايير مكتوبة وشاملة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الإشكالية لا تكمن في فكرة التنظيم بحد ذاتها، بل في طريقة صياغة التعميم وتخصيصه للنساء دون الرجال، وغياب تحويله إلى “مدونة مظهر” معتمدة داخلياً، تُطبّق على جميع الموظفين دون تمييز، وتُدمج ضمن شروط العمل والعقود الوظيفية بشكل شفاف. اعتماد هذا المسار، وفق هذا التوجه، كان سيمنح القرار طابعاً مهنياً، ويجنّبه التحول إلى مادة سجالية تمس صورة الإدارة العامة وتفتح الباب أمام تأويلات سياسية واجتماعية غير ضرورية.
“بيان توضيحي تلطيفي”
حاول البيان التوضيحي الصادر عن المحافظة نزع الصفة التقييدية عن القرار، مؤكداً أنه لا يستهدف التضييق على الحريات الشخصية. غير أن هذا التبرير، وفق قراءات قانونية متعددة، وقع في تناقض جوهري: فالتأكيد على “عدم المنع” لا ينسجم مع نص تعميم يمنع ممارسة محددة بذاتها.
ولم يُحِل التبرير إلى أي نص قانوني صريح أو لائحة تنظيمية معتمدة، ما يجعله مخالفاً لمبدأ “شرعية الإدارة”، الذي يقضي بأن الإدارة العامة لا تتصرف إلا ضمن حدود ما يسمح به القانون. كما تجاهل التبرير شرطَي الضرورة والتناسب، المنصوص عليهما في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادتين 17 و19 المتعلقتين بالخصوصية وحرية التعبير.
وبموازاة الجدل القانوني، برز اتجاه آخر أكثر حدّة تمثّل في الدعوة إلى مساءلة القرار قضائياً، انطلاقاً من اعتباره مساساً مباشراً بالحقوق الدستورية المكفولة للمواطنين، وبخاصة النساء. أصحاب هذا التوجه رأوا أن القرار لا يكتفي بتقييد المظهر الشخصي، بل يضع النساء في موقع الاستهداف الإداري المباشر، عبر تعميم يُخاطبهن حصراً دون أي إشارة إلى معايير موازية تخص الرجال، ما يُشكّل إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون، ويحوّل الإجراء من تنظيم وظيفي محتمل إلى تمييز صريح في بيئة العمل العامة.
ويذهب هذا الطرح أبعد من حدود المخالفة الإجرائية، ليحمّل القرار مسؤولية خلق مناخ عام قابل للتوتر الاجتماعي، عبر فرض قيود تمس خيارات شخصية لا تشكّل بحد ذاتها خطراً على المرفق العام أو النظام الوظيفي.
ويبرر أصحاب هذا الطرح وجهة نظرهم بأنه حين تصدر السلطة المحلية قرارات تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية دون سند قانوني واضح أو ضرورة موضوعية، فإنها لا تعرّض الحقوق الفردية للخطر فحسب، بل تضع الدولة نفسها في موقع المواجهة مع مواطنيها، وتفتح الباب أمام نزاعات قانونية وإدارية كان يمكن تجنبها بسياسات أكثر اتزاناً واحتراماً لحدود الصلاحيات.
السخرية كأداة عنف رمزي ضد النساء
بعيدا عن النص القانوني، كشفت موجة التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي عن مستوى مقلق من السخرية المبطنة والمباشرة ضد النساء.
فمئات المنشورات والتعليقات انتشرت بسرعةؤ سخرت من القرار عبر تصوير الموظفات “من دون مكياج” كـ“مناظر مخيفة للمراجعين”، إلى جانب إطلاق ألقاب مهينة على النساء غير المتبرجات، في انزلاق واضح نحو التنميط والإهانة الجماعية.
هذا النوع من “المزاح” وإن كان يبدو بريئاً أو عرضياً، فهو أعاد إنتاج خطاب قديم يختزل قيمة المرأة في مظهرها، ويُحمّلها مسؤولية “إرضاء العين العامة”، حتى داخل فضاء يفترض أنه مهني ومحايد. الأخطر أن القرار نفسه، بصياغته وتخصيصه للنساء دون الرجال، كرّس هذا المنطق التمييزي، حين تعامل مع المكياج بوصفه مشكلة إدارية، لا خياراً شخصياً.
يأتي التمييز مزدوجا، في القرار الذي استهدف النساء حصراً، وفي الخطاب الاجتماعي الذي تعامل مع أجساد النساء ووجوههن بوصفها مادة للسخرية العامة، تحت غطاء الطرافة أو النقد السياسي.
أسئلة غائبة
وفي خضم السجال الدائر، غاب سؤال جوهري عن النقاشين الرسمي والشعبي معاً: ما الحاجة الإدارية الفعلية التي يعالجها هذا التعميم؟ وهل يشكّل المظهر الشخصي، في هذه الحالة، عائقاً أمام سير المؤسسات العامة أو سبباً مهنياً يستدعي تدخلاً تنظيمياً مباشراً؟ فغياب معايير واضحة أو مبررات محسوسة للمواطن يحوّل الإجراء من تنظيم محتمل إلى تدخل قابل للتأويل بوصفه وصاية، لا سيما حين يُطبّق بشكل انتقائي.
وبهذا المعنى، لا يتوقف الجدل عند مسألة مكياج أو تعميم إداري عابر، بل يتصل بسؤال أوسع حول قدرة الإدارة العامة على تنظيم بيئة العمل ضمن حدود القانون، دون المساس بالحريات الشخصية أو الإخلال بمبدأ المساواة. وهو ما يرى كاختبار مبكر لنمط العلاقة التي يُفترض أن تتشكل بين الدولة والمواطن في مرحلة يُفترض أنها تؤسس لإدارة أكثر مهنية، وأقل تدخلاً في الخيارات الفردية.
تلفزيون الخبر



