العناوين الرئيسيةميداني

أكراد سوريا .. ماذا تعرف عن إحصاء عام 1962 ؟

أكراد سوريا .. ماذا تعرف عن إحصاء عام 1962 ؟

خلفية تاريخية..

يعتبر السوريون الأكراد واحدة من أكبر الأقليات العرقية في سوريا، ويتركّزون بشكل رئيسي في شمال وشرق البلاد (محافظة الحسكة وخاصة مناطق مثل القامشلي وعاموديا)، ويُقدّر عددهم بنحو 10–15% من السكان قبل الحرب السورية.

وعلى الرغم من وجودهم الطويل في المنطقة، تعرّضت هذه الأقلية لمجموعة من السياسات الحكومية التي حدّت من حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية منذ منتصف القرن العشرين وحتى السنوات الأخيرة.

إحصاء 1962

في 5 تشرين أول عام 1962، أصدرت الحكومة السورية في عهد الجمهورية مرسوماً بإجراء “إحصاء استثنائي” في محافظة الحسكة ذات الأغلبية الكردية.

وُصف الهدف الرسمي حينها بأنه للتأكّد من هوية الأفراد ومنع ما سُمّي “الاندساس غير القانوني” من تركيا أو العراق.

لكن النتائج كانت كارثية على آلاف السكان.

 

ما الآلية التي استخدمت في الإحصاء؟

اشترط الإحصاء على السكان تقديم أوراق تثبت إقامتهم في سوريا منذ عام 1945.

وبالنسبة للأشخاص الذين لم يستطيعوا تقديم هذه الأوراق بسبب فقرهم أو غياب سجلات مدنية (مثلاً) أُدرجوا ضمن فئتين:

أجانب الحسكة: ممن أُسندت لهم صفة “أجنبي” وتمّ تسليمهم بطاقة حمراء تحدّ من حقوقهم المدنية.

مكتومو القيد: الذين لم يُسجّلوا أساساً في السجلات الرسمية، ولم يحصلوا حتى على بطاقة تعريف.

 

كم عدد الأكراد الذين سُحِبَت منهم الجنسية عام 1962؟

من المؤكّد أنه ليس هناك مصدر لرقم دقيق للعدد، لكن مصادر متقاطعة قالت أن حوالي 120,000 كردي قد سُحِبَ منهم الجنسية عقب الإحصاء، أي نحو 20% من الأكراد في سوريا آنذاك.

ومع زواج هؤلاء من أكراد آخرين ونموِّ الأجيال، ارتفع عدد السوريين الكرد الذين لا يحملون الجنسية من ما يُقدَّر بعشرات الآلاف إلى مئات الآلاف (حتى 300,000 أو أكثر) قبل اندلاع الأحداث في سوريا.

 

ماهي الآثار القانونية والاجتماعية لإحصاء 1962؟

فقد السوريون الكرد المسجَّلون ضمن كلا القطاعين كـ “أجانب” أو “مكتومين” كثيراً من الحقوق الأساسية التي يتمتّع بها المواطنون السوريون، ومنها منع السفر الدولي لأنهم لا يحملون جوازات، وفقدان حقّ الملكية وامتلاك العقارات والأراضي، والحرمان من حقّ التصويت أو الترشّح في الانتخابات، ومنعهم من العمل في الوظائف الحكومية أو الاشتراك في الضمان الاجتماعي، عدا العقبات في الزواج والحصول على شهادات رسمية للأبناء.

وطبعاً يضاف إلى ما سبق، تعرّضهم إلى تمييز ثقافي ولغوي من خلال سياسات تعريب المدارس والمناطق الكردية.

ويُعدّ هذا الإحصاء أحد أبرز مظاهر السياسات التمييزية المؤسسية بحق الأكراد في سوريا، لأن حالة الانتماء القومي تمت معالجتها بطريقة تقييدية من قبل الدولة.

 

الأكراد في عهد حافظ الأسد (1971–2000)

حافظ الأسد ورغم استقرار نظامه نسبياً مقارنة بفترات الاضطراب التي سبقت حكمه، أكّد – بحسب تحليلات ومصادر سياسية – أن القضية الكردية لم تُحلّ على مستوى المواطنة المتساوية.

وامتدّت سياسات العروبة والبعث، في عهد الأسد الأب، لإضعاف الوجود الثقافي الكردي، مثل منع استخدام اللغة الكردية في التعليم الرسمي ومنع نشر المواد التعليمية بها.

كما تم تنفيذ مشاريع مثل “الحزام العربي” بمحافظة الحسكة، والتي هدفت إلى استقدام عرب إلى مناطق كردية بهدف تغيير الطبيعة الديمغرافية للمنطقة على حدود تركيا.

وطوال حكم حافظ الأسد، لم تُلغَ بشكل فعال آثار إحصاء 1962، وظلّ ملايين الكرد السوريين بلا حقوق كاملة.

 

عهد بشار الأسد (2000–2024)

أنكر بشار الأسد وجود ما أطلق عليه “القضية الكردية في سوريا”، في أكثر من مناسبة، وقال إن الكثير من الأكراد “لم يكونوا سوريين أصلاً” في إشارة إلى التوزيع التاريخي للقبائل واللاجئين.

لكنه أشار أيضاً إلى أن الدولة منحت الجنسية للكثير من الكرد مع الإقرار بوجود بعض “المشكلات” إن وجدت، محاولاً بذلك تخفيف حدة التوتر السياسي.

 

مرسوم التجنيس في سوريا 2011

أصدر بشار الأسد في نيسان 2011، تزامناً مع اندلاع الأحداث في سوريا، المرسوم رقم (49) الذي:

منح الجنسية السورية لآلاف الكرد السوريين الذين كانوا يُصنّفون في سجلات “أجانب الحسكة”.

واعتبرت هذه الخطوة محاولة لتجنّب انضمام الأكراد إلى الاحتجاجات التي بدأت تتوسّع حينها في البلاد.

ومع ذلك، لم يشمل المرسوم في البداية فئة “مكتومي القيد” الذين ظلّوا بلا جنسية رغم مطالبهم القانونية بالاعتراف الرسمي.

لذلك يمكن القول إن التجنيس في عام 2011 كان تقدّمياً بالاسم لكنه غير كافٍ، لأنه ساوى فقط بين طبقات معيّنة من الكرد من دون القضاء الكامل على آثار إحصاء 1962.

 

عهد أحمد الشرع

مع سقوط حكم بشار الأسد، صدر في 16 كانون الثاني المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 عن الرئيس أحمد الشرع، والذي تضمن مجموعة من البنود التاريخية.

ماذا جاء في المرسوم الرئاسي الخاص بالسوريين الكرد؟

ينص على أن الكرد السوريين جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزّأ من الهوية الوطنية السورية.

إلغاء جميع القوانين والتدابير الناتجة عن إحصاء 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لكافة المواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا بمن فيهم الذين كانوا مسجّلين كـ “أجانب” أو “مكتومي القيد”، مع المساواة التامة في الحقوق والواجبات.

إقرار اللغة الكردية كلغة وطنية وإتاحتها للتدريس في المدارس العامة والخاصة في المناطق الكردية، إما ضمن مناهج اختيارية أو كأنشطة ثقافية.

اعتبار عيد النوروز (21 آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في أنحاء الدولة، كرمز ثقافي.

حظر التمييز العرقي أو اللغوي في الإعلام والمؤسسات التعليمية، مع عقوبات لمن يحرض على الفتنة.

وبناءً على هذه البنود، يمكن القول إن المرسوم يشمل انتكاسة قانونية لقرارات التمييز السابقة، ويُعدّ خطوة رمزية وقانونية كبيرة نحو الاعتراف بحقوق الأكراد.

 

لماذا يعد المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 مهماً ؟

إلغاء تداعيات إحصاء 1962

أحد أبرز نتائج الإحصاء الذي أجرته الحكومة السورية عام 1962 كان سحب الجنسية من آلاف الأكراد ومنعهم من الحقوق المدنية الأساسية. المرسوم الجديد يُلغي هذه القوانين الاستثنائية ويمنح الجنسية للسكان من أصول كردية بمن فيهم طالبي الجنسية غير المسجّلين سابقاً.

اعتراف رسمي بالهوية الثقافية واللغوية

إعلان اللغة الكردية لغة وطنية (ولو ضمن شروط التدريس الاختيارية) واعتبار النوروز عطلة رسمية يُعدّان اعترافاً غير مسبوقاً بهوية الأكراد ضمن الإطار القانوني للدولة السورية.

خطاب رسمي ضد التمييز

المرسوم يُجرّم التمييز العرقي واللغوي، ويُلزم مؤسسات الدولة باعتماد خطاب وطني شامل، ما قد يشكّل أساساً للتغيير القانوني لاحقاً في العديد من القوانين والسياسات.

تجاوب مع الأزمة السياسية الراهنة

صدر المرسوم في سياق توترات دولية ومحلية، خاصة بعد اشتباكات بين القوات الحكومية و “قوات سوريا الديمقراطية”، ما دفع القيادة السياسية إلى مبادرة لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الكردي ضمن إطار أكبر من الاستقرار الوطني.

هل المرسوم كافٍ؟

رغم أهميته الرمزية والقانونية، لا يرى مجموعة من النشطاء والأحزاب الكردية أن المرسوم وحده كافٍ لتحقيق المواطنة الحقيقية، وذلك كونه صادر عن السلطة التنفيذية، ويمكن تعديله أو إلغاؤه مستقبلاً دون أن يكون مكرّساً في دستور دائم يحمي الحقوق بشكل دائم ومستقر.

ومن وجهة نظر بعض الكرد، المرسوم لا يتطرّق إلى قضايا الحكم الذاتي أو اللامركزية أو دمج القوى الكردية (سياسياً أو إدارياً) في مؤسسات الدولة بشكل فعلي، وهي مطالب أساسية ترى أنها ضرورية لإعادة الحقوق كاملة.

تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى