العناوين الرئيسيةسوريين عن جد

أحلام طفل سوري .. ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟

ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ كان هذا السؤال يماثل سؤال الطقس بالنسبة للإنكليزي، فاتحة لبداية أي حديث مع طفل، ربما عبر هذا السؤال نعرف الكثير عن البيئة التي يعيش ضمنها الطفل

وكانت الإجابات في جيلي، وربما في الجيلين اللاحقين لجيلي، تتراوح بين طبيب ومهندس غالباً، أما أنا فقد كنت طفلاً “فزلوكاً”، فأجبت أني سأصبح كاتب قصص، لأنتزع الدهشة من فم معلمة الصف الثالث الابتدائي

أما في الحقيقة، فقد كنت كغيري، أتمنى أن أصبح كبيراً فقط، لأمتنع عن الذهاب إلى المخبز أو المؤسسة العامة الاستهلاكية.

لا نستطيع أن نضع أحلاماً مشابهة ضمن مقاييس علم النفس، لأنها بغالبيتها أحلام الآباء لا أحلام الأطفال، أحلام مزروعة زرعاً في نفوس الأطفال الغضة، والأحلام المزروعة عنوة لا تزهر بل تنجب أشواكاً جافة فحسب.

أتذكر ابنة صديقي المسرحي التي أجابت أنها تتمنى أن تصبح حصاناً، لا أكثر ولا أقل، لا فراشة أو عصفوراً، لا زهرة أو ريحاً، حصاناً فقط. أدهشتني الإجابة، وأتمنى أن تكون الآن قد صهلت مرة واحدة على الأقل في سهول الحرية.

لكن ماذا حصل لتلك الأحلام؟

أغمض عينيك، حاول أن تتذكر أحلام طفولتك، لقد كانت قوية للغاية، حقيقية جداً وأنت تتخيل نفسك مغامراً، متسلق جبال، رائد فضاء، راقصاً أو طفلاً برياً كماوكلي.

كان جسدك منغمساً بكليته في هذه الرؤى والزخم والحرية، في تلك الآونة، بدا كل شيء سهلاً، يكفي أن نكبر لنحقق أحلامنا، لكن الآن، ها قد كبرنا، والأحلام باتت ليس فقط بعيدة

بل أصبح الحلم يعتمد على عناصر أخرى تشبه الحصول على “شربة ماء” أو رغيف طري، لقد سحقتنا الآلات أولاً، سحقنا العمل ثم جاءت هذه الحرب لتقضي على كل أمل بالبقاء فكيف بتحقيق الأحلام.

أين ذهبت تلك الأحلام؟! لقد ابتلعتها قوى الظلام، أخذها اليأس حين عبر فوق البلاد كريح، لقد دفنت تماماً كأنها لم تكن.

حتى تعبير “الأحلام المجهضة” الأثير عند كتبة اليأس لا يصلح للتعبير عن الحال السوري، فأحلام اليوم لا وقت لديها لتصبح أجنة فتجهض، ولا حتى خلايا، أحلام اليوم أن يشبع الطفل من وجبته، ألا يبكي عطشاً، ألا ينام بردان في الظلمة، هل هذه أحلام صالحة حتى للإجهاض؟

لو سألنا طفلاً سورياً اليوم: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر، ربما سيجيب: جائعاً مثل أخي، شهيداً مثل أبي، طريداً مثل ابن عمي، خائفاً مثل أختي، حزيناً مثل أمي، ممزقاً مثل بلدي، أو: لا شيء، فقط أريد أن تدعوني أكبر بسلام.

محمد أبو روز – تلفزيون الخبر

 

Image may contain: 1 personImage may contain: 3 people, people sitting and child

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى