كتب الصحافي عبد الله عبد الوهاب مؤسس ورئيس تحرير تلفزيون الخبر في الذكرى التاسعة لانطلاق المشروع.

 

تسع سنوات من الصحافة النظيفة ..

 

“الفص ع المرتكي هين يا ابن أخوي” سمعت هذا المثل، أول مرة، من رجل عركته الحياة، وكان يتحدث حينها عن الاشخاص الذين “يركبون” الطريق الأسهل، ويقطعون المسافات بـ”الشعارات” ، من يومها ، وأنا أكره الطرق السهلة، ربما، لأنها غالباً ما تكون مزدحمة.

أن تحمل قضية ما، لا يعني أن هنالك طريق واحد يجب أن تسلكه، دائما يوجد أكثر من طريق، لكن المؤكد أن الطريق يجب أن يكون متناغما، ومنسجماً مع القضية، “الميكيافيللية” هنا ليست خياراً مناسباً عندما تكون القضية إنسانية حكما.

اليوم، تمضي تسع سنوات على الاجتماع الأول الذي رسم خطوط تلفزيون الخبر الأولى، الجلسة الطويلة،التي خُربِشت أفكارها بأقلام الرصاص ونُقِلَت مُخرجاتها بكثير من الألوان

كنت، خارجاً لتوي (مع فريقي) من تجربة منحتها عمري لمدة خمس سنوات كاملات، بأيامها ولياليها وأحلامها وحروبها، تركت موقع عكس السير وقد بات الموقع السوري الأول، لأبدأ رحلة جديدة رهانها “الرهان هلى العقل السوري” في زمن كان نسغه “الغريزة” .

كان الطريق واضحاً ، رغم أن ما خربشناه كان”صعباً”، اخترنا “الطريق الصعب”، وسئلت في اليوم التالي: “بتعرف شقد صعب نخاطب العقل ونحترم ذاتنا ونحنا منعرف لوين رايحين!”، خطر على بالي، على الفور،الرجل الخبير الذي عركته الحياة، وأجبت “طبعاً”.

تحمل تجربة تلفزيون الخبر الكثير من الذاتية والشخصية، إلى جانب الكثير الذي تحمله من المهنية، وتحمل في كل مفصل منها ومع كل عبور جديد، تجديدا لخربشات قلم الرصاص ذاتها في الاجتماع الأول!

كيف يمكن أن تحافظ على خطوطك ذاتها طيلة تسع سنوات قاسيات قَلبن الواقع وتوقعاته وركائزه، وغلّبن أصوات الطبول على الكمنجات.

في تلفزيون الخبر كان الأمر على صعوبته بسيطا، جاء رجوعا دائما إلى أنك قد لا تعرف ما تفعل في هذه اللحظة، لكنك من المؤكد لم تُضِع بوصلتك لتنسى ما لا يجب أن تفعله أو تكونه أبدا.

وفي تلفزيون الخبر، لم نكن يوما على استعداد لنخاطب الغرائز او نكون رُكاب موجة او أن نضع رهانا على حصان رابح دون أن نسأل كيف سيربح! أو نركض مع الراكضين دون أن نتنبه أين نضع أقدامنا وعلى ماذا ندوس؟

لم نضع أنفسنا يوما رقباء على عقل المتلقي ولا أوصياء على معلومته وتحليله، وشعارنا كان دائماً هو الأحرف الأولى في أي ورشة تدريبية كنا نقيمها “المتلقي ذكي لكنه جاهل بالمعلومة” ومهمتنا تكمن في إيصال المعلومة بالشكل الصحيح.،

لم نسابق الزمن بحثا عن عاجل او هام او حصري قبل أن نسأل أنفسنا “ماذا من متى أين كيف ” ودائما كنا نحفر عميقا لنسأل أيضا لماذا؟! وكثيراً ما كنا نضع “خبطتنا” جانباً لأن الأجوبة على الأسئلة السابقة، أو أحدها، كانت ستهز يقيننا أمام أنفسنا وأمام ما حمٌلناه لأنفسنا من مسؤولية.

تسع سنوات درّبنا خلالها أكثر من ٢٥٠ شاباً وشابة، كان تلفزيون الخبر بالنسبة لمعظمهم نقطة الانطلاقة الأولى التي علمتهم، ألف باء الصحافة، انضم بعضهم لفريق عملنا، غادرنا بعضهم وأكمل معنا بعضهم الآخر الدرب.

أكثر من ٥٠ شابا وشابة ممن دربهم تلفزيون الخبر يعملون اليوم في كبرى المؤسسات خارج سوريا وداخلها، وأسس بعضهم مشروعه الخاص وشق طريقه يحمل رسالته الخاصة.

دعمنا في تلفزيون الخبر أكثر من ٣٠٠ مبادرة مجتمعية وثقافية وإنسانية، لمؤسسات وفرق وأفراد، وكنا شركاء مع عشرات منها في مشاريع حملت للواقع السوري تغييراً وشكلت الحصى التي سندت جرّاته في مواقع عدة.

جمَعَنا ولا يزال شراكات بأشكال مختلفة مع عدة وسائل إعلام محلية ومع صحافيين مستقلين، أضفنا لهذه الشراكات وأضافت لنا، لنمارس بهذه الاستراتيجية جزءً من قناعتنا بأن الساحة الإعلامية السورية قطعة “بازل” كبيرة هي بدورها جزء من “بازل” أكبر هو المشهد السوري المحتاج للانفتاح على الآخر، وليؤدي كل منا فيه دوره بالعطاء والعمل من مكانه.

حمل تلفزيون الخبر كتحدٍّ ومشروع مرضٍ للأنا الشخصية والمهنية الكثير من التفاصيل، التحديات، الصعوبات، العمل والشغف، كما حمل كثيراً من المتعة.

ترفّعنا في مشروعنا عن المهاترات وابتعدنا طويلاً عن ال”خبطات” بمعناها “السوقي” الذي كرّسته الحرب في الساحة الإعلامية كواقع بات متعارفاً عليه، حتى بات تكسير تراكمات التلقي المشوَّش واحداً من أصعب مهامنا في التدريب على صحافة حقيقية!

ومع الكثير من ” اي بس هيك الكل بيعملها ” و أكثر من ” فلان او فلانة هيك بيعمل ” كانت مهمتنا أصعب، أصعب في صنع صحافة مهنية، وأصعب في صنع صحفيين مهنيين!.

تسع سنوات كان “الترمومتر” لقياس جودة العمل، في مشروعنا هو “الأخلاقيات” ، تبدأ من محاولات اختيار الفرد ليكون في المشروع، ولا تنخفض ابداً في أي تفصيل لاحق، نتعلم الانحياز كمحترفين، لنتجنبه، وتشكل أخلاقيات العمل الصحفي كتاباً مقدساً يلازم عقولنا، ويحدد مواقفنا والية عملنا .

تسع سنوات امنّا فيها أن خدمة قضيتنا تكون من خلال المهنية، وكانت حياتنا أحياناً كثيرة على المحك، ونحن راضون اليوم حد اليقين.

تسع سنوات من العمل لنجومية “المشروع” على حساب أسمائنا، وكل ما يلحق بها من جهد وتعب وتضحية .

تسع سنوات وسمنا خلالها السوريون، على اختلاف ثقافاتهم وتوجهاتهم، ب”المصداقية” ، وأي تكريم حقيقي لصحافي أكثر من أن يوسم بـ”المصداقية”.

تسع سنوات من الصحافة النظيفة، في زمن فرض الاستقطاب “مقاصله” على كل مختلف .

2021-04-17

زر الذهاب إلى الأعلى