العناوين الرئيسيةثقافة وفن

“صفوة الأساطير” لـ”ألِخاندرو كاسونا”.. قصص لا يُمل منها

يحشد “ألِخاندرو كاسونا” في كتابه “صفوة الأساطير” الصادر عن “دار فواصل للنشر والتوزيع” أدواته التعبيرية في إعادة كتابة أساطير من الثقافات الهندوسية والروائع اليونانية والحكايات الإسبانية والألمانية والفرنسية إلى جانب قصص ألف ليلة وليلة وغيرها من تراث البلدان المختلفة مُطعَّمة بالأخيلة وعمارات السرد المختلفة واللعب على المشهدية.

لغة الكتاب الذي ترجمه “علي إبراهيم أشقر” خاصةً جداً، إذ إنها تُمَسْرِح الأسطورة بلغة شعرية، تُداور أفكار الأساطير وفحواها لخدمة رؤية الشاعر والمسرحي الإسباني الفريدة، بحيث تتحول الميثولوجيا بين يديه إلى قصص لا يُمَلّ من قراءتها.

وإلى جانب التكثيف على صعيد اللغة والأفكار، يسعى “كاسونا” إلى تبسيط الحكاية، بحيث تُلائم جداً القرّاء الأطفال واليافعين بما تُحفِّزه في خيالهم من صور، وما تستدعيه في مخيلتهم من هواجس وأحلام وطاقات فرح.

المميز أيضاً في “صفوة الأساطير” هو جماليات السرد المُتَّكئ على مونتاجات مُذهلة في سيرورة الحكاية، وتكثيف الزمن، واستدعاء الأحداث المختارة بعناية لخدمة توجُّه “كاسونا” في رسمه لمغزى الأسطورة.

أربع عشرة قصةً يفتتحها صاحب “الأشجار تموت واقفة” بقصة ميلاد المسيح وصلبه، عبر “ترنيمة ميلاد وموت”، مُضيفاً الكثير من التفاصيل الحميمة إلى شخصية الإنسان الذي يُصلَب إلى جانب “يسوع”، جاعلاً من لقائهما الأخير، ليس وحيداً بل سبقه لقاء في مغارة بيت لحم، عندما احتضنته مريم وأدفأته وشفته من الجُذام.

وفي قصة “خاتم ساكونتالا” التي كتبها الشاعر “كاليداسو” يُجمِّل المسرحي الإسباني الحكاية بين “ساكونتالا” حبيبة العصافير و”دُشمانتا” ابن القمر، مُعززاً الصراع بين الذاكرة والنسيان، والحقيقة والكذب، والحب والندم،… لتنتهي الحكاية بسعادة عندما يعود الحبيبان إلى بعضهما بعدما أُزيل سحر الكاهن الغاضب “دورفاسا” وتعرف “دشمانتا” على ابنه صديق الحيوانات.

وتأخذنا حكاية “نالا وداميانتي” التي قصَّها الشاعر “فياسّا” في كتاب “غابة المهاباراتا” إلى مناخات الفقر من بعد الغنى والعز، وكيف يستطيع الحب وحده أن يُعيد الأمور إلى نصابها، بعدما أغشى عيني الحبيب “نالا” السِّحر والمقامرة فتخلى عن كل شيء في سبيل إرواء غِيِّه، لكنه بعد النَّدم والتَّعب والعمل استطاع أن يعود مُتوَّجاً بالمحبة والجاه كما كان.

وأيضاً هناك “أسطورة بالدر” التي كتبها شعراء إيسلندا والنروج الأوائل عن “إله النور” وغيرة الظلمة منه، وخيانته التي أدت إلى وفاته، لتكون رجعة النور بعد بكاء جميع الكائنات عليه، بسبب حزنها المديد على غيابه، لينتصر النور في النهاية كدلالة أسطورية على تعاقب الفصول وما يرافقها من إزهار وإثمار ومطر ورياح…

“ألف ليلة وليلة” أيضاً لها حصتها ضمن “صفوة الأساطير” إذ لا يكتمل طيف القصص من دون “شهرزاد” الذكية وسطوتها في رواية الحكايات بأسلوبية باتت الآن تدمج التشويق بالمعمارية الخاصة لسرديات “كاسونا”، مثلها مثل أسطورة “هيكتور وآخيل” و”النيبلونغ” و”أنشودة رولان” و”تريستان وإيزيو” وغيرها.

يذكر أن “كاسونا” نال عن هذا العمل جائزة الأدب الوطنية، وهو يكاد يكون كتابه الوحيد خارج الشعر والمسرح، ويُظهر فيه أسلوبه الشاعري في الوقت الذي يجعل غنائية الأساطير تسير جنباً إلى جنب مع ليونة ما بعد الحداثة، فيغدو الماضي القديم مُنْطَلَقاً إلى الحداثة وما بعدها.

تلفزيون الخبر- بديع صنيج

مقالات ذات صلة

ReachEffect Verification
class="fb-like" data-share="true" data-width="450" data-show-faces="true">