كاسة شاي

كنفاني القضية .. وميلاد زهر اللوز

لم يكن كنفاني الذي يؤرخ زهر اللوز ذكرى ميلاده في الثامن من نيسان يوماً ينتظر أن يتحول اسمه إلى لون وظل، أو أن يصير ظاهرة يمكن الرجوع إليها لتعريف وتأكيد إمكانية التحام الموهبة بالحس والمعرفة، وصدق الأسلوب و الوضوح البعيد عن التكلّف.

ولم يقف غسان يوماً على أعتاب التعقيد وهو الذي قال “ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة، وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة”، كنفاني الذي شكل ظاهرة “الكنفانيين” لم يكن يأبه بأن يكون له ماكان من انتشار بين قرائه ورواد فكره ومعتنقي قضيته التي ناضل لأجلها.

غسان كنفاني صاحب الظاهرة اللغوية النابعة من عمق بحر حيفا وعلو أشجارها كي يبقى منتظرو العودة إليها يرنون إلى ذلك العلو بل أعلى بكثير، ففي المسافة بين الصوت وصداه كتب غسان كنفاني، وفي نفس المسافة عاش حياة قصيرة.

و كتب فيها كل ما يمكن أن يقوله الفلسطيني، وفي كل ما لا يريد العالم لفلسطيني أن يقوله، كتب غسان قصصاً قصيرة، كل قصة كانت تشكّل رواية كاملة لوجع فلسطيني، يتمدد بين كل قرى ومدن فلسطين التي شُرِّد الفلسطينيون منها، وبقيت تحيا في صوتهم و صداه، وبين مدن الأرض التي سالت عليها دماء الشهداء.

وكتب غسان للثورة وبنادقها التي لم يكن مستقرها في فكره إلا الأكتاف، لأنه ظلّ يراها الحقيقة الوحيدة للنصر، وكتب عن الحرية التي لا مقابل لها، وكان يقول دائماً: “لن أرتدّ، حتى أزرع في الأرض جنتي، أو أقتلع من السماء جنة، أو أموت، أو نموت معاً” و هو من قال “الخيانة بحد ذاتها ميتة حقيرة”، لذا، فقد كان عليه أن يموت واقفاً.

كان عليه أن يموت وآلاف القصص التي كانت ستكتبه وتكتبنا ساكنة في أصابعه، كان عليه أن يموت بقنبلة في سيارته، بعد أن جرّب الموت ألف مرة، وهو هناك يختنق في خزّان تشويه الشمس، مع أبطال روايته القصيرة “رجال تحت الشمس”.

كان غسان يغرف من بئره العميقة ومن أسراره العميقة، صور في الذاكرة وللذاكرة، وصور في الحاضر القريب، ويجد ملامحه فيها، لكنه كان يجد قلبه مثقوباً في كل لقطة لفلسطيني استشهد قبل أن يكمل ابتسامته.

من “موت سرير رقم 12” إلى “أرض البرتقال الحزين”، ومن “أم سعد” إلى “عائد إلى حيفا”، كتب غسان لنا طريقاً جديداً للتعرّف إلى ذواتنا، والوصول إلى أنفسنا سالمين، طريقاً من بين أشجار البرتقال التي كانت دائماً تُشعرنا بطعم الوصول إلى البحر.

و كنا نكبر بما تركه لنا حين قرأنا “ما تبقى لكم”، وكنا خلفه حين قرأنا “عائد إلى حيفا”، وكنا معه حين دخل تلك السيارة، وانفجرت تلك العبوة الناسفة، وحين تناثرت أشلاؤه فينا، وبدأ يولد من جديد، وبقيت ساعته تدق.

و كبرنا أكثر مما ينبغي، وعلى الرغم من كل ما قرأنا لغسان، فقد قرأناه أقل مما ينبغي، كبرنا ولم تزل قصص غسان ورواياته تحيا فينا، في كل شهيد وفي كل موت، كبرنا أكثر مما ينبغي، صرنا نفهم غسان كنفاني أكثر.

غسان كنفاني الذي لم يمت قبل أن يكون نداً، والذي استشهد بعد أن نفح رياحين القضية في سماء فلسطين وغيرها، والذي اعتنقها مذهباً لم يخنه يوماً..لروحك السلام.

روان السيد – تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق