كاسة شاي

حكاية الحلوى الوردية “غزل البنات” ..و عرباتها التي غادرت زقاق الطفولة

بينما يبهر لونها الوردي الكثير من أطفال مقتبل العمر بأحلامهم الوردية، ومذاقها المفعم بالحلاوة المشابه لآمالهم بحلاوة الحياة، وعلى الرغم من مُسماها المرتبط بالبنات والذي لا يجعلها حكراً عليهن، يحتار كثيرون في سر هذه الخيوط المنسوجة بأشكال مختلفة، ويشتاق الكبار إلى عرباتها في زقاق الطفولة.

العربات التي انحسر وجود الكثير منها اليوم نظراً لتطور صناعة هذه الحلوى، والتي كانت سابقاً تجوب شوارع وأزقة كثير من المحافظات، أهمها دمشق وحلب، وكانت تبعث الحياة في تلك الأزقة، لم لا وهي بلونها وتكوينها الهش محط أنظار الأطفال باعثي الحياة أينما حلوا.

هي وفقاً لويكيبديا، “غزل البنات” في مصر والشام، أو “شعر البنات” في العراق، أو “لحية بابا” أو “لحية الشايب” في دول الخليج، أو “حلوى القطن” في ليبيا أو “لحية جدي” في تونس ، أو “حلاوة قطن” في السودان.

ظهرت “غزل البنات” أولاً في أوروبا وكانت عملية نسج خيوط السكر حينها مكلفة، لذلك لم تقدر كل الطبقات الاجتماعية على شراء هذه الحلوى والتمتع بملمسها الناعم على الألسن.

ثم اتجهت إلى إيطاليا التي كانت فيها “غزل البنات” حكراً أيضاً على موائد الطبقة الارستقراطية لندرة السكر، حيث كان الطهاة الإيطاليون في ذلك الوقت يقومون بإذابة السكر على شكل خيوط بواسطة الشوكة.

وانتقلت بعد ذلك هذه الصناعة عبر أوروبا وإيطاليا وأمريكا إلى أن وصلت إلى الأتراك الذين نقلوها إلى البلدان العربية وفي المقدمة سوريا ولبنان.

وفي سبب التسمية عربياً، تقول روايات أن “هذه الحلوى اكتشفها حلواني بالصدفة في القرن العاشر، حين وضع كمية من سكر في قالب معدني على نار هادئة وحرّكها بملعقة خشبية مدة عشر دقائق فخرجت من القالب خيوطاً عدة”.

و عمل بعدها على تجميع الخيوط مندهشاً بما أسفرت عنه طبخته، فسارعت بناته الصغيرات لمشاهدة ما أعدّ والدهن، فطلب منهن تجميع الخيوط وغزلها لمساعدته ثم باعها في السوق، وأطلق على الحلوى بعد مدة اسم “غزل البنات”.

و تتنوع أساليب صناعتها بين الغزل اليدوي الذي لم يعد رائجاً كثيراً حالياً، لصعوبته وحاجته لجهد عضلي، حيث كان بعض الباعة يقومون بهذه المهمة أمام الزبائن من صغار وكبار، وهناك الغزل الآلي فهو من السكر الخالص والصباغ، بينما تحتاج الصناعة اليدوية إلى قوالب حديدية حيث تصب الخلطة ثم تقطع يدوياً بشكل متساوٍ.

ويبتعد الغزل الآلي اليوم عن طابع الشعبية والبساطة لهذه الحلوى، اذ تتخلى عن التسخين في “بابور الكاز”، لصالح الصناعة الآلية التي تستخدم الكهرباء والغاز، حيث توضع الكمية المطلوبة بكل سهولة في قالب معدني يعتمد على الدفع السريع.

و تندر هذه الأيام عربات الغزلة، المسماة أجنبياً “cotton candy”، وباعتها الجوالون في أزقة دمشق، لكنها تبقى الحلوى المفضّلة لدى الأطفال، فيتخيلها أكثرهم كغيوم السكر الملونة، بينما تراها الإناث خيوط حريرٍ كتلك التي حيكت منها فساتينهن.

و تتوزع “غزل البنات” اليوم، في علبٍ كرتونية أو أكياس نايلون في محال البقالة، ومنها آلات مركونة في زوايا المولات، يتهافت عليها الأطفال ليتلقفوها ببرهةٍ، بينما تسافر ذاكرة الكبار إلى زقاق الطفولة.

فلا تكاد تفارق الذاكرة صورة باعة غزل البنات بعرباتهم و نداءاتهم الملحنة، فمن لم يعلق على أصابعه “دبق سكرها” في صغره، ومن لا يشتهي استعادة تلك اللحظات العابثة؟

روان السيد – تلفزيون الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق